فهرس الكتاب

الصفحة 2441 من 27345

د. جعفر شيخ إدريس

عقيدة التوحيد هي جوهر الدين وأساسه، فالتأثير فيها سلبا أو إيجابا هو أخطر التأثيرات على دين المسلم. ولما كان الإعلام من أقوي المؤثرات إن لم يكن أقواها في عصرنا هذا على حياة الناس الفكرية والسلوكية، كان البحث في تأثير الإعلام الغربي على عقيدة المسلم المتعرض له، من أهم ما ينبغي أن ينشغل يه الباحثون.

لذلك سرني أن يكون النظر فيه ضمن اهتمامات هذه المناسبة المباركة، وإن كنت أعلم أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه. ولما كان البحث في هذا التأثير لا يتم إلا ببيان المكانة العظيمة التي تحتلها العقيدة في الهدي الإسلامي، وبالتالي في حياة المسلم الملتزم به، فقد كان من التوفيق أيضا ان يطلب من الناظر فيه البدء ببيان هذه المكانة العظيمة.

أهمية العقيدة

أقول إذن مستعينا بالله ومبتدئا حديثي هذا بسؤال:لماذا جعلت العقيدة أساس الدين وركنه الأول؟ ربما تبادر إلى أذهان بعض الناس ولا سيما أناس في عصرنا هذا الذي يرفع من قدر الظاهر المحسوس، أن الجدير بهذه المكانة هو الأعمال الصالحة الظاهرة كالإنفاق وحسن معاملة الناس والجهاد لرفع راية الدين؟ فلماذا جعلت لشيء باطني غير عملي؟ مع أننا إنما نقوم الناس بحركات جوارحهم لا بحركات قلوبهم وما يكمن في ضمائرهم؟

الجواب الموجز هو أن ما في الباطن مقدم على ما في الظاهر لأنه هو أساسه ومصدره. فما من عمل ظاهري حسن كان أم سيئ إلا وله أساس باطني. هذه حقيقة يعلمها كل إنسان من نفسه، ولو كان يعلم ما في نفوس الآخرين كما يعلم نفسه لكان تقويمه لأعمالهم بأساسها الباطني هذا. تصور لو أن إنسانا أهدي إليك هدية قيمة، لكنك شاهدته في قلبه يقول لك:"ما أحقرك؛ والله إنك لا تستحقها ولا أقل منها، ولولا أني أطمع منك في أكثر منها لما أعطيتك إياها."

هذا علم غيبه الله عنا فلم يبق لنا إلا الحكم بالظاهر والاستدلال به أحيانا على ما في الباطن. أما الخالق سبحانه فإنه عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولهذا كان تقويمه سبحانه للناس بهذا الباطن الذي هو أساس الظاهر

إن أصل تكريم الباطن هو أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكون الإنسان من عنصرين من مخلوقاته، عنصر الطين وعنصر الروح، فجعل المكون من الطين هو صورته المرئية، وجعل العنصر الروحي حقيقته الخفية. لكنه سبحانه جعل بين ظاهر الإنسان وباطنه صلة ونسبا. فالروح إنما تسكن في الجسد، وإنما تبدو تصرفاتها وتأثيراتها عليه وبوساطته؛ وربما كان هذا هو السر في أن بعض أعمال الروح تنسب إلى أعضاء جسدية لصلتها الخاصة بها. إن القلب الجسدي ليس هو الذي يعقل كما يحدثنا شيخ الإسلام بن تيمية، وعليه فإن السلامة والمرض المنسوبتان إليه في الكتاب والسنة ليستا أحوالا جسدية كما هو المشاهد، وإنما هي أحوال روحية نسبت إلي ما يلائمها من الأعضاء الجسدية.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل الإنسان إنسانا بجوهره الروحي الداخلي الخفي لا بشكله الجسدي الخارجي. فالروح هي محل الإدراك والإيمان والتصورات والإرادات والمشاعر. والإنسان إنما يتحرك ويتصرف بما يعتقد، حقا كان أو باطلا، وبما يتصور واقعا كان أم وهما. وإذا كان الأمر كذلك كان ما يظهر لنا من صلاح الإنسان أو فساده السلوكي راجعا بالضرورة إلي صلاح معتقداته وتصوراته أو فسادها. وإذن فالجانب الذي نسميه عمليا في حياة الإنسان والذي قد نخطئ فنظنه أهم جانبيه، إنما هو أثر وناتج عن جانبه الداخلي الذي قد نجنح إلي التقليل من أهميته فنصفه بالنظري أو المثالي. كلا. إنه لهو الجانب الفعال الذي يحدد مصير الإنسان والذي ينبغي لذلك أن تكون العناية به أكبر،

وكما جعل الله تعالى غذاء الجسد وبقاْءه في بعض المطاعم والمشارب، وجعل مرضه أو موته في غيرها، فقد جعل غذاء الروح وبقاءها في بعض العلوم وجعل مرضها وموتها في حرمانها منها، وجعل حياته الروحية هي حياته الحقيقية، وموتها هو موته الحقيقي.

والحقائق التي يمكن للإنسان أن يعلمها كثيرة، والعلوم النافعة كثيرة، لكن أشرف العلوم وأجلها نفعا هو العلم بالله ربا لا رب سواه وإلها لا معبود بحق إلا إياه. هذا هو العلم الذي لا تحيا القلوب إلا به، ولا يكون الإنسان مخلوقا كريما إلا بمعرفته، والاعتراف به.

نعم. الاعتراف، لأن هذا العلم لا يؤتي ثماره إلا إذا اختار من علمه أن يعترف بما علم ويؤمن به. فالروح لا تحيا بالمعرفة وحدها بل لا بد أن تنضم إليها الإرادة، إرادة الإيمان.

وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك، فيؤمنوا به، فتخبت له قلوبهم.

فتأثير هذا العلم معتمد على قبوله أو رفضه لا على مجرد اكتسابه:

وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادته رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون. [التوبة:125]

وما تغني الآيات والنذر عن قوم لايؤمنون. [ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت