فهرس الكتاب

الصفحة 2989 من 27345

الحمد لله الغني الحميد ، اللطيف الخبير . تفرد بالعز والبقاء ، وتفرد بالملك والتدبير . أحمده سبحانه ، حمد عبد كبلته ذنوبه ، وأحاطته من كل عيوبه ، فاعترف بالعجز والتقصير . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، بيده الملك وهو على كل شيء قدير . والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، من استغنى بغير كتابه أو سنته فهو الفقير ، ومن اقتفى أثره ، وترسم هديه فاز بالجنة تجري من تحتها الأنهار ، ذلك الفوز الكبير . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، حققوا اتباعه ، ونقلوا منهجه ، وعملوا بسنته ، فكان الله مولاهم ، نعم المولى ونعم النصير . وسلم تسليما . أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، وتمسكوا بسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . أيها المسلمون: إن من عجب الأحداث في زمننا الحاضر أن يبتدع السلفي ، ويشرع المتبع ، ويحدث في دين الله من اقتفى الأثر . وإن مما يجب أن يحذر منه المسلم السلفي ، متبع أثر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يجب عليه أن يحذر أشد الحذر أن يبتدع في دين الله من حيث لا يشعر ، بل أن يظن أنه بفعله ذلك يتقرب إلى الله تعالى . ومعلوم عند كل مسلم متبع أن العبادة أمر توقيفي ، لا بد لكل جزء منها من دليل ثابت صحيح . وإن مما يعجب منه من ترسم هدي السلف ، واتبع منهجهم ، ما استحدثه بعض الناس في زمننا هذا ، بجهل محض ، أو بجهل مشوب بنية صالحة ، وكل ذلك لا يغني عنهم من الله شيئا . قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ونهض إبليس يلبس ويزخرف ، ويفرق ويؤلف ، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل ، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح . ا هـ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد . متفق عليه . وفي رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد . فكل عمل يتقرب به العبد إلى الله تعالى يجب أن يكون صوابا ، على سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه . أيها المسلمون: إن مما استحدث - حتى من قبل من يظن بهم خيرا - لما اختلطت عليهم الأمور ، والتبس الحق بالباطل عندهم ، ولو دققوا النظر لما ترددوا في نبذها ، والتحذير منها ، من تلكم المحدثات التهنئة بالعام الجديد ، فيتبادلون التهاني والتبريكات ، وربما جاوز الأمر أكثر من مجرد التهنئة إلى الاحتفال بذلك ، وهذا خطر عظيم ، وشر جسيم ، لم يرد فيه عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه أو أتباعه رضي الله عنهم فيه أثر أو يصح في النقل عنهم فيه خبر . ويلبس الشيطان على السلفي من حيث لا يشعر ، فيوهمه أن نهاية العام وقت مشروع لمحاسبة النفس ، ومناقشة حال العمر فيما مضى . والنظر في صفحات العمر ، ومحاولة فتح صفحة جديدة مع الله فيما زعم . ولا ريب أن محاسبة النفس مشروعة ، مطلوبة ولكن أن يجعل آخر العام لها سببا فذلك من المحدثات . فليس لآخر العام ، ولا لبدايته مزية عن أي يوم آخر من أيام السنة كلها . وجعل ذلك عيدا ، أو سببا لعبادة ما ، يحتاج المرء فيه إلى دليل من كتاب الله تعالى ، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . ودون ذلك خرط القتاد . ولقد انتشر في الهاتف الجوال رسائل تفيد طلب العفو والمسامحة من الإخوان ، والعفو عن الزلل ، وفتح صفحة جديدة مع الأصدقاء ، أو مع الله تعالى ، بل قد تعدى الأمر أكبر من ذلك أيضا فزعموا أن الله تعالى يطوي صفحة العام ، ولا يعيد نشرها إلى يوم القيامة ، فسألهم: من أين لكم هذا ، ومن أنبأكم بهذا ؟ أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ معاشر المسلمين: إن المعلوم عند أهل العلم أن ليلة القدر هي التي تقدر فيها المقادير للعام ، كما قال قتادة رحمه الله: تقضى فيها الأمور ، وتقدر الآجال والأرزاق ، كما قال تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم . قال ذلك عند تفسير قوله جل وعلا: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر . وأما آخر العام أو أوله، أو أوسطه فليس فيه نص من كتاب أو سنة ، وليس عليه دليل من فعل من سلف من صالح هذه الأمة ، أو قرونها الثلاثة المفضلة . وقد ذكر أهل العلم قيودا لكي يحكم على الشيء بالبدعية ، وهي: أن يكون هذا الأمر محدثا ، لقوله صلى الله عليه وسلم: من أحدث . وأن يضاف هذا المحدث إلى الدين ، لقوله صلى الله عليه وسلم: في أمرنا هذا . وأن لا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي خاص أو عام ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ما ليس منه . وكل هذه القيود مندرجة في التهنئة ببداية العام الجديد . ألا وإن الشيطان المريد ، قد يوهم بعض الناصحين أو الغيورين أن لهذه البدعة فوائد جمة ، وأن فيها من المصالح ما يوجب العمل بها ، وهذا من تلبيسه ، ومكايده ، وإلا فإن البدعة لا يشترط أن تكون شرا محضا بل قد يكون فيها منافع ومصالح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت