الكاتب: أبو عبد الرحمن .. سامح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
أيها الأخ المبارك: هذه رسالة كتبتها بمداد الحب وسطرتها وقد سكبت فيها من روحي لعلها تصل إلى روحك .. كتبتها وأنا أسائلك أن تصحبني بعقلك الذي يمنعك من ارتكاب كل قبيح، بعيدًا عن التشنجات والمغالطات والمهاترات التي لا تغني من الحق شيئًا .. أي نعم .. أريد أن أتحدث إليك أنت أخي حديثًا أخصك به، فهل تفتح لي أبواب قلبك الطيب، ونوافذ ذهنك النير، فو الله الذي لا إله غيره إني لأحبك .. إن موضوعي معك هو ما تفكر فيه الآن، وتبحث عن مكان يناسبك ويلائمك أنت وأسرتك وربما أعددت العدة له .. نعم .. هو النزهة والترفيه عن النفس .. إننا لا نعتب عليك بادئ ذي بدء أن تفكر في هذا الموضوع فالنفس مجبولة على ذلك وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا نعتب عليك أن تأخذ أسرتك وأولادك في نزهة برية أو رحلة خلوية أو غيرها، وإن غير ذلك يعتبر مصادمة للواقع فلابد من الترويح عن النفس ، ولابد من التخفيف عنها .. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم".. ساعة وساعة". [ صحيح ]
ساعة و ساعة
نعم ساعة و ساعة .. لكن هل يعني ذلك أنها ساعة للطاعة وساعة للمعصية !؟ هل المراد ساعة لربك، وساعة لنفسك تفعل فيها ما تشاء وتختار !؟ إن هذا المفهوم لا يمكن أن يحتمله كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أن يفهم منه إذ كيف يتصور أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعصية ربه ، والتعدي على حدوده؟! وانتهاك محارمه؟! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يغضب لنفسه، ولكن إذا انتهكت محارم الله اشتد غضبه ، واحمر وجهه .. فكيف يأذن إذًا بالمعصية وهذا منهجه؟ وهذه طريقته؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .. إن المفهوم الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم"ساعة وساعة"هو ساعة لطاعة الله I، وساعة يلهو بلهو مباح .. يقول الله I: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [القصص: 77] هاهو ربك I يأمرك أن تستعمل ما وهبك من المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة ( وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والمساكن والمناكح .. فأي دين أعظم من هذا؟ وأي شريعة أكمل من هذه الشريعة؟ التي راعت بين جوانب الحياة كلها وأعطت كل ذي حق حقه .
الحكمة من خلق الليل والنهار
قال I مبينًا الحكمة من خلق الزمن ، وماذا يجب على الإنسان أن يعمل في الليل والنهار ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا(12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) ) [ الإسراء 12-15 ]
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام ، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ؛ ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار ؛ للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار ؛ وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ؛ ويعرفوا مضى الآجال المضروبة للديون والعبادات ، والمعاملات والإجارات وغير ذلك . أ.هـ [ابن كثير3 /27]
ولهذا قال ( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) : أي لتسعوا في الأرض فتطلبوا رزقًا من فضل ربكم . ( وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) : أى بمضى الليل والنهار تتمكنوا من حساب الأيام والشهور والأعوام ، فيعطى الأجير حقه ، وتعملوا بالنهار وتسكنوا بالليل . ولو كان الزمن كله نهارًا لملَّ الناس ، وتعبوا ، وما صَلَحت حياتُهم ، ولو كان الزمن كله ليلًا لتعطلت مصالحهم . وقوله ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ) أى جعلنا الليل مظلمًا فمحونا ضوءه . وقوله ( وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) أى جعلنا النهار مضيئًا . ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) أى فصلنا لكم كل ما تحتاجون إليه من أمر معاشكم ومعادكم . فالله I خلق الزمن ليسعى الناس على معايشهم فيقتاتون ما يعينُهم على عبادة الله وطاعته ، فالسعى على المعاش وسيلة للإعانة على العباده .