فهرس الكتاب

الصفحة 14806 من 27345

حقيقةُ الشكر د. محمد عمر دولة*

لقد مَدَحَ الله عزَّ وجَلَّ مَن أقبلَ على ربِّه شاكِرًا ذاكِرًا، و (قال ربِّ أوزِعْنِي أنْ أشكُرَ نِعمتَك التي أنعَمتَ عليَّ وأن أعملَ صالحًا ترضاه) . [1] وأثْنَى الله جَلَّ جلالُه على نوحٍ عليه السلام بقولِه: (إنه كان عَبْدًا شَكُورًا) ، [2] وقال عزَّ وجَلَّ عن خَلِيلِه إبراهيم عليه السلام: (إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قانِتًا لله حَنِيفًا ولم يك مِن المشركين شاكِرًا لأنعُمِه اجتباه وهداه إلى صِراطٍ مستقيم) . [3]

ووَعَدَ تعالى عِبادَه الشاكِرِين نِعْمَ الجزاء، فقال جلَّ جلالُه: (وسيَجْزِي الله الشاكِرين) ، [4] وقال عز وجلَّ: (لئن شَكَرْتُم لأزِيدنَّكم) ، [5] وقال تعالى: (وكذلك فَتنَّا بعضَهم ببعضٍ لِيَقولُوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم مِن بَيْنِنا أليس الله بأعْلَمَ بالشاكِرِين) . [6] وقد روى أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله لَيَرْضَى عن العبدِ يأكل الأكْلة؛ فيَحمدُه عليها، ويشربُ الشَّرْبة؛ فيَحمدُه عليها) . [7]

ولو تساءلَ أحدُنا: كيف أكونُ عَبدًا شَكُورًا؟ لكان الجوابُ: باستِحْضارِ عَظمةِ نِعَمِ اللهِ التي تُحيطُ بنا مِن كلِّ جانب، كما قال يوسف عليه السلام: (ذلك مِن فَضْلِ الله علينا وعلى الناسِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَشكُرُون) . [8] وتذكُّرِ أنَّ هذه النِّعَمَ مِن فَضلِ الله؛ لِيَبتلِيَ العبدَ: هل يكون من الشاكرين أم الجاحدين؟ كما قال سليمان عليه السلام لما رأى عرشَ بلقيس مُستقِرًا عنده: (قال هذا من فضلِ ربِّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومَن شكرَ فإنَّما يَشكُرُ لنفسِه ومَن كَفرَ فإنَّ ربِّي غَنِيٌّ حَمِيدٌ) . [9] ثم الاجتهاد في إرضاءِ الله عزَّ وجلَّ بالشُّكرِ على النِّعَمِ والحذرِ مِن كُفْرِها وجُحُودِها؛ كما قال تعالى: (إنْ تكفُرُوا فإنَّ الله غَنِيٌّ عنكم ولا يَرْضَى لِعِبادِه الكُفرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لكم) . [10]

وينبغي كذلك أن نُصَحِّحَ فقهَنا للشكرِ؛ فليس قاصِرًا على شُكرِ اللسانِ؛ بل يكونُ الشُّكرُ أيضًا بِعَملٍ ناجِحٍ ومَوقفٍ صالِحٍ؛ وقد قال الله عزَّ وجَلَّ: (اعمَلُوا آلَ داودَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِي الشَّكُور) . [11] قال القرطبي:"الشُّكرُ حَقِيقتُه: الاعتِرافُ بالنعمةِ لِلمُنعِم، واستعمالُها في طاعتِه، والكفرانُ استِعمالُها في المعصِية، وقليلٌ مَن يفعلُ ذلك؛ لأن الخير أقلُّ مِن الشرِّ والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى (اعْمَلُوا آلَ داودَ شُكْرًا) قال داود لسليمان: إن الله عز وجل قد ذكرَ الشُّكرَ؛ فاكْفِنِي صَلاةَ النهارِ أكفِك صلاةَ الليلِ، قال: لا أقدر قال: فاكفني إلى صلاة الظهر! قال: نعم، فكفاه. وقال الزهري (اعملوا آل داود شكرا) أي: قولوا الحمد لله و (شُكْرا) نصب على جهة المفعول: أي اعملوا عملا هو الشكر؛ وكأنَّ الصلاةَ والصيامَ والعبادات كلها هي في نفسِها الشكر؛ إذْ سَدَّتْ مَسَدَّه، ويبين هذا قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم) ، وهو المراد بقوله: (وقليلٌ مِن عِبادِي الشَّكُور) ، وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى: (أن اشكر لي) أنَّ المرادَ بالشكرِ الصلواتُ الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل؛ حتى تفطر قدماه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا) . انفرد بإخراجه مسلم فظاهر القرآن والسنة أنَّ الشكرَ بِعَملِ الأبدانِ دون الاقتصارِ على عَملِ اللِّسانِ، فالشكر بالأفعالِ عَمَلُ الأركان والشُّكرُ بالأقوال عَمَلُ اللسان". [12]

وقد ظهرَ هذا واضِحًا في مَوقِفِ النجاشي حينما رَدَّ هدايا مُشْرِكِي قريشٍ؛ لِيُسلِّمَهم المستضعَفِين مِن المؤمنين؛ فقال رضي الله عنه:"رُدُّوا عليهما هَداياهما فلا حاجةَ لنا بها؛ فواللهِ ما أخَذَ اللهُ منِّي الرشوةَ حين ردَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخُذ الرشوةَ فيه"! [13] ورحم الله الجنيد؛ فقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء قوله: (والشكر أن لا تستعين بنعمة الله على معصيته) .

فينبغي للعبدِ أن يستحي من الله عز وجلَّ أن يقابل خيرَه بالشرِّ والكفرِ والجحود؛ ورحم الله السعدي حيث قال في تفسير قولِ الله تعالى: (إنَّ في خَلقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهار) : [14] "أليس مِن القَبيحِ بالعبادِ أن يَتمتَّعُوا بِرِزقِه, ويعيشُوا ببرِّه, وهم يستعِينُون بذلك على مَساخِطِه ومَعاصِيه؟! أليس ذلك دليلًا على حِلْمِهِ وصَبْرِه وعَفْوِه وصَفْحِه وعَمَيمِ لُطفِه؟! فله الحمدُ أولًا وآخِرًا, وظاهِرًا وباطِنًا"! [15]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت