فهرس الكتاب

الصفحة 19855 من 27345

بديع الزمان النورسي

بتاريخ 19/1/1923 وجه الأستاذ ( سعيد النورسي ) بيانًا الى مجلس الأمة التركي ، تضمن عشر مواد بين فيه أهمية الصلاة ، لأنه لاحظ بأسف بالغ أن معظم نواب مجلس الأمة آنذاك لا يؤدون الصلاة . واستهل الأستاذ النورسي بيانه بـ:

(يا أيها المبعوثون .. إنكم لمبعوثون ليوم عظيم )

ومما قاله الأستاذ النورسي:

"إن الأمة الإسلامية مع أن قسما منهم لا يؤدون الصلاة الا أنهم يتطلعون أن يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة ، بل أن أول ما يبادر أهل الولايات الشرقية مسؤوليهم هو سؤالهم عن صلاتهم ، فأن كانوا مقيمين لها ، فبها ونعمت ويثقون بهم ، والا فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتياب رغم كونه مقتدرًا في أداء واجباته" (1) .

ويذكر الأستاذ النورسي حادثة شاهدها بأم عينه ليبين للنواب أهمية إقامة الصلاة ، فيقول:

"ولقد حدث في حينه اضطرابات في عشائر (بيت الشباب) فذهبت لا ستقصي أسبابها ، فقالوا: ان مسؤولنا القائمقام لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر ، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين .. هذا علمًا إن الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة بل كانوا قطاع طرق !) (2) "

أثر بيان الأستاذ النورسي هذا فيهم ، فأقبل ما يقارب ستين نائبا من النواب الى أداء الصلاة حتى أن مسجد بناية مجلس الأمة لم كافيا للمصلين فانتقلوا الى غرفة مجاورة أكبر منه .

و ما أن رأى (مصطفى كمال ) رئيس الدولة آنذاك هذا المشهد حتى أمتعض ، ولم يرضَ عن هذا البيان - وهو الذي كرر دعوة الأستاذ النورسي الى أنقرة مرارًا لاستشهاره بعدائه للمحتلين الانكليز ولكون (أنقرة ) مركز حركة المقامة - فأستدعى (النورسي ) وجرت بينهما مشادة عنيفة ، وكان مما قاله (مصطفى كمال ) : لا ريب اننا بحاجة الى أستاذ قدير مثلك ، لقد دعوناك الى هنا للاستفادة من ارائك المهمة ، ولكن أول عمل قمت به لنا هو الحديث عن الصلاة ، لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس فأجابه ( النورسي ) مشيرًا اليه بأصبعه في حدة:

-باشا .. باشا .. أن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة ، وأن الذي لا يصلي خائن ، وحكم الخائن مردود (3) .

والنورسي تراه يؤدي الصلاة في أوقاتها في الحل والترحال . في يته … في الجبال … في الوديان … في المحاكم . وكان يقول:

( أن وقت كل صلاة ، كما أنه بداية انقلاب زمني عظيم ومهم ، فهو كذلك مرآة لتصرف الهي عظيم ، تعكس الآلاء الإلهية الكلية - كالمرآة - في ذات الوقت . لهذا فقد أمر - في تلك الأوقات - بالصلاة ) (4) .

(والصلاة في أول الوقت ، والنظر إلى الكعبة خيالا مندوب إليهما ، ليرى المصلي حول بيت الله صفوفا كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز ، فكما أحاط الصف الأقرب بالبيت ، أحاط الأبعد بعالم الإسلام ، فيشتاق إلى الانسلاك في سلوكهم . وبعد الانسلاك يصير له إجماع تلك الجماعة العظمى وتواترهم حجة وبرهانا قطعيًا على كل حكم ودعوى تتضمنها الصلاة .

مثلًا: إذا قال المصلي (الحمد لله ) كأنه يقول كل المؤمنين المأمومين في مسجد الأرض: نعم صدقت - حيث يقولون جميعا: الحمد لله ، مثله ، - فيتضاءل ويضمحل تكذيب الأوهام ووسوسة الشيطان . وكذا يستفيض كل من الحواس واللطائف حصة وذوقا وأيمانا ، ولا يعوقها لم ؟ وكيف ؟ ففي أول الوقت تنعقد الجماعة العظمى للمتقين ، ولاتفاق الصلوات الخمس في الأقوال والأركان لا يخل اختلاف المطالع بخيال المصلي .. ولينظر المصلي وهو في مكانه الى الكعبة ، وهي في مكانها لا يجذبها اليه ولا يذهب اليها ليتظاهر له الصفوف ، ولا يشتغل بها قصدا للضرر ، بل يكفي شعور تبعي . وما يدريك لعل القدر الذي لا يهمل شيئا من الأشياء يكتب بأشكال هذه الصفوف المباركة المنتظمة في حركاتها سطورا على صحائف عالم المثال الذي من شأنه حفظ ما فيه دائمًا) (5)

ويروي تلميذه ( بايرام يوكسل ) ذكرياته عن النورسي في بيان اهتمام أستاذه بأوقات الصلاة: ( كان يهتم كثيرا بأوقات الصلاة .. وحريصًا عليها كل الحرص .. وأسوق هنا مثالًا:

خرجنا يوما من (إسبارطة ) الى ( أميرداغ ) ولم يبقَ إلا خمس دقائق للوصول الى ( أميرداغ ) واذا بوقت الصلاة قد حان ، فنظر الاستاذ الى ساعته فأقام بنا الصلاة . ولم يكن الأستاذ يبالي بالبرد القارس ولا بالمطر اذا ما حان وقت الصلاة . فكنا نؤديها في أوقاتها في الحل والترحال .

وكان ( النورسي ) يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت