فهرس الكتاب

الصفحة 26840 من 27345

قال تعالى: ( وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ )

تساهم الكلمة إلى حد بعيد في إحياء الأمة الإسلامية ، وبخاصة إذا ما تسربت إلى القلوب فاستقرت فيها ..

فالكلمة الصادقة الصادرة من القلب تثير عواطف النفوس ، وتحيي موات القلوب ، وتدفع إلى التغيير بإذن الله .

ومن هنا كان افتقاد فقه الكلمة وأدب الحوار من الأمور التي تُفقد الدعوات روحها وتأثيرها ، وتؤدي بالمجتمعات إلى التفكك والانهيار .

وفي هذا المقال نحاول الوقوف على بعض من هذا الفقه .. فقه الكلمة .. القرآن ومسؤولية الكلمة:

يقول الله تعالى: [ وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ .. ]

يقولوا التي هي أحسن ( على وجه الإطلاق وفي كل مجال فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه ، بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة ، فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت وبالرد السيء يتلوها ، فالشيطان يتلمس من الإنسان سقطات فمه وعثرات لسانه ، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه ، والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات ، وتقطع عليه الطريق ، وتحفظ حرم الإخوة آمناً من نزغاته ونفثاته ) [1]

وهذا من أدب وفقه الكلمة بين المرء وأخيه . هذا فيما بين المؤمنين ، والأمر يتسع ليشمل ما بين المسلمين والمشركين

فالمؤمنون مأمورون بقول: ( الكلمة التي هي أحسن وألا يخاشنوا المشركين )

ذلك ( أن الشيطان ينزغ بينهم ) : يهيج بينهم المراء والشر ، فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد فيأمر الله تعالى عباده أن يقولوا الكلمة الطيبة وألا يصرحوا لهم بأنهم من أهل النار ، فإنه يهيجهم على الشر ، بل يداروهم ويحتملوا منهم .

وروى أن المشركين أفرطوا في إيذاء المسلمين فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية .

وقيل شتم عمر - رضي الله عنه - رجل منهم فهم به فأمره الله بالعفو [2] ( وهو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله ، يرحمك الله . وهذا قبل أن يؤمروا بالجهاد ) [3]

وهذا أيضاً من أدب وفقه الكلمة

وربما اتسع الأمر ليشمل المشركين أنفسهم

وكأن المعنى: ( قل لعبادي الذين اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام يقولوا التي هي أحسن من كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة ) [4] ، وهكذا يؤكد الله -عز وجل- على أهمية ومسؤولية الكلمة لما لها من عظيم الأثر في حياة البشرية . يقول سبحانه: [ وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ] [الأنعام 152] ، فيأمر الله تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب أو البعيد [5] ، ( ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى ) [6] .

الرسول القدوة .. والكلمة:

والمتتبع لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجد الأحاديث تتوالى وتترى في الحض على مكارم الأخلاق وبلوغ التي هي أحسن ، ففيها ( الكلمة الطيبة صدقة ) [7] ، وفيها الربط بين الإيمان والخير من القول فهو القائل - صلى الله عليه وسلم -: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) [8] ، وفي سيرته الكريمة - صلى الله عليه وسلم - التنفير من إساءة استخدام الكلمة فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ( إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون , والمتشدقون ، والمتفيهقون ) [9] ، والقيامة هي التي يعمل مخافة السوء فيها العاملون ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحبيب الذي يبغى القرب منه المحبون فكيف لا يحسنون استخدام الكلمة وهي أمامهم وسيلة القرب والنجاة حتى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن النجاة: ( أمسك عليك لسانك ) [10] ، ويقول: ( من يتكفل لي ما بين لحييه ورجليه ، أتكفل له بالجنة ) [11] ، ويقول - عليه الصلاة والسلام-: ( أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) [12] .

هكذا يرفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قيمة الكلمة ويثقل ميزانها .. ويبلغ الأمر منتهاه في تحديد مسؤولية الكلمة في قوله: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها - أي يتفكر أنها خير أم لا - يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) [13] ، وهكذا كانت سيرته - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم أحسن ، وإذا صمت أبلغ ، حتى كان هذا الخلق هو ما عايشه أصحابه منه فيقول أنس - رضي الله عنه -: ( خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أفٍ قط ، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ؟ وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقاً .. ) [14] .

وهكذا ربى أصحابه الكرام فعرفوا للكلمة حقها ، وحفظوا لها قدرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت