فهرس الكتاب

الصفحة 18978 من 27345

الحمد لله الذي بيده خزائن السموات والأرض، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير إنه على كل شيء قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويرزق من يشاء بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا هو ولا رب غيره ولا معبود بحق سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الكريم، أدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وترك الأمة على البيضاء ليللها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء الأنقياء الأخفياء البررة وعلى من تبعهم بإحسان وصدق إلى يوم الدين، ثم أما بعد:

أيها المسلمون، إن من رحمة الله بهذه الأمة أنه أخبرها بما سوف تلقاه من الفتن ودلها على سبل الوقاية والحماية منها ، جاءنا الخبر في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن من الفتن التي أخبر عنها ووقعت فيها هذه الأمة هي فتنة المال، وما أدراك ما المال، المال أذلّ أعناق الرجال، والمال غيّر المبادئ، والمال أنطق الرويبضة في أمر العامة، والمال أفسد أمور الدين والدنيا إذا أخذ بغير حق، والله سبحانه قد أخبر بأن المال مما فطر الناس على محبته وأنه شهوة من شهوات الدنيا، { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا } [الكهف:46] ، وقال جل وعلا عن حال الإنسان مع المال: { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } [الفجر:20] .

وربنا قد أخبر عن هذه الحقيقة بأن المال فتنة: { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [الأنفال:28] ، والله سبحانه قرر حقيقة باقية وسنة ماضية إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وهي كذلك ميزان الله في الآخرة، أن المال ليس بمقياس على علو منزلة الإنسان عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا من عدل الله ورحمته بالأمة مصداق ذلك ما جاء في التنزيل: { وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [سبأ:37] .

بل إن الله سبحانه بيّن أن المال الذي قد يعطاه من لاخلاق لهم من الكفار لن يكون نافعًا لهم ولا حائلًا عن العذاب الذي يصيبهم، وهي رسالة لكل من بهرته الدينا التي يعيش فيها من حاد عن دين الله وعن شرعه ولم ينعم بهذه الشريعة، إذ يقول جل شأنه: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [التوبة55] ، { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ } [آل عمران:10] .

واعلموا رحمكم الله أن الفتنة بالمال أخذت صورًا شتى في كل العصور، وبرزت في عصرنا هذا، فوجب التنبيه ولفت الأنظار لها، فرُبَّ مفتون لاهٍ ساهٍ غافلٍ يظن أنه على طريق صحيح وهو في طريق هلكة -والعياذ بالله-.

وهذه الصور على سبيل الإجمال كما يلي:

الصورة الأولى:

الاشتغال بالمال- ولو كان حلالًا- عن طاعة الله وعن ذكره وشكره، كما قال تعالى: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [المنافقون:9] ، ويقول سبحانه: { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا } [الفتح:11] .

فكم من رجل كان يحافظ على الصلوات وعلى قراءة القرآن وغيرها من أعمال البر، ومن إن شغلته الدنيا وجرى المال بين يديه حتى أصبح يمر عليه رمضان والمواسم الفاضلة فلا يقرأ كتاب الله، ولا يصلي، ولا يحضر مجالس الذكر، فضلًا عن غيرها من الأيام، فليحذر المؤمن وليعلم أن الذي رزقه المال هو الله -نسأل الله الثبات حتى الممات-.

وحتى نعدل في قولنا ونكون دقيقين في تصويرالواقع إن الإنسان ليقف وقفة إكبار واحترام لأناس يملكون الدنيا بأيديهم، وتجدهم من أحرص الناس على الطاعات وحضور الجماعات وكل ما يقربهم إلى رب الأرض والسموات، فهنيئًا لهؤلاء الذين حازوا خير الدنيا والآخرة، وهؤلاء هم الذين تنزل عليهم البركات وتحل عليهم المكرمات.

الصورة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت