التحيز الإعلامي (2/1) محمد عبد الله الغبشاوي*
مصطلح ( التحيز ) من منحوتات المفكر الكبير البروفسير عبد الوهاب المسيري صاحب (( موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ) )و (( إشكالية التحيز ) )الذي أشرف علي تحريره وصدر في مجلدين عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي .
ومصطلح التحيز يعني الانحياز والتعصب مطلقًا ولكن فيما نعنيه في هذه المعالجة التسليم المطلق بالمقولات والمفاهيم والمناهج الغربية والانسياق الأعمى في محاكاتها وكأنها قد أنزلت منزلة الأمر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وجدير بنا التنبيه إلي أن (( التحيز ) )بهذا التعريف لا يقتصر في أوساطنا علي الإعلام ووسائطه المختلفة وإنما هو أمر قد طال جميع أوجه حياتنا وسائر مناشطنا وتوجهاتنا . ففي تشريعنا واقتصادنا ومناهج تربيتنا وصور تعليمنا بل وفي سلوكياتنا ولغة حديثنا اليومي شواهد عديدة لا تخطئها عين عاقل علي هذا (( التحيز ) )الذي أقام علينا حجرًا نفسيًا عقليًا وسلطانًا أدبيًا معنويًا قد ننكر أصله ونغالط في حقيقته ولكن آثاره وتراكماته هي الشاهد والبرهان عليه .
ومن هنا فقد نخلص إلي القول بأن أداءنا الفكري الإبداعي لا يعدو أن يكون مجرد محاكاة وترديد للأداء الغربي ولكن بأصوات عربية وليس بلغة عربية وشتان بين الاثنين .
ومن هنا فالتحيز في الخطاب الإعلامي هو جزء من أداء عام صار هو النمط المعتاد لإنساننا في الحيز العربي الإسلامي وما كان للخطاب الإعلامي أن يفلت وحده من هذا الأداء فذلك مما يتنافي وطبائع الأشياء . ولكن التنبيه الزائد إليه في هذه الورقة يأتي بدافعين: أولاهما
أن الإعلام ووسائطه هو القلب والمركز لهذا الأداء التحيزي العام الذي يطبع حياتنا . وثانيهما: أن المراجعة لأداء القلب والمركز في المنظومة حري بأن يدعو إلي مراجعة أداء المنظومة كلها . فإلي حد كبير إذا صح الأداء الإعلامي . فسينساب التصحيح في بقية أجزاء المنظومة وقد تستقيم خطواتنا علي الطريق الصحيح لإقامة بنائنا من جديد .
عقبتان كأداوان: -
وكلتا العقبتين نفسيتان أما أولاهما فتتصل بالشيوع والسيرورة للمنتجات الحضارية الغربية أدبية كانت أو مادية . فبحكم السيادة شبه المطلقة للحضارة الغربية ويحكم الفعالية الاستثنائية لأنماط ووسائط إنفاذها وبالسرعة الفذة المتصاعدة لوسائل الاتصال امتلكت الحضارة الغربية حاكمية تلقائية لم تسبق إليها في الحاكميات الحضارية التاريخية السابقة عليها .
وهذه الحاكمية الحضارية الاستثنائية سوّلت للغرب دمغ جل منتجاته الفكرية الأدبية بخاتم (( العالمية ) )و (( الإنسانية ) ). ولم تملك القطاعات المستضعفة المستكينة إلا التأمين علي ذلك وخصوصًا من خلال نخبتها - وإن صادم ذلك وتضاد مع المسلمات و اليقينيات الأم في تلك المجتمعات .
ومجموع ما أشرنا إليه ساهم أيما مساهمة في تضخيم الشيوع والسيرورة للنماذج الغربية وخصوصًا في المجالات الإعلامية . فصار الخارج علي أنماطها يشعر شعورًا مكثفًا بالغربة والعزلة بل والشذوذ التام عما سوّد - نفسيًا ومعنويًا - بأنه الأنموذج الذي ينبغي أن ينسج علي منواله ويسير الجميع في ركابه .
وأما العقبة الثانية فهو أن القطاعات المنتمية إلي حضارات ذابلة أو كامنة تقل في تابعيها روح المغامرة والجسارة والإقدام . وتسود فيها وتنتشر روح التسليم بالأمر الواقع ومن هنا يخفت فيها روح الشعور بالتغيير وخصوصًا في الجوانب الإيجابية لواذًا بأمان مزيف من خلال الالتزام بما التزم به جمهور الناس ونأيًا عن مغامرة مودية مهلكة وفقًا للمعيار السائد
وإضافة إلي هذا فإن الإعلام خادم تلقائي للتيارات الفكرية السائدة في قطاع ما . وإذ أن التيارات الفكرية في قطاعنا يغلب عليها التقليد والالتزام التام بالمعتمل في الغرب فليس غريبًا أن يكون الإعلام مرتهنًا بذلك أيضًا .
أنماط التحيز في الخطاب الإعلامي: -
بصورة مجملة يمكن حصر بعض أنماط التحيز في خطابنا الإعلامي في الآتي:
التحيز للرسالة الإعلامية الغربية .
التحيز للمصطلحات والمفاهيم .
التحيز للأشكال والوسائط .
التحيز للنهج الإخباري .
وفيما يلي نتعرف بإيجاز غير مخل لهذه التحيزات الأساسية .
أولًا: التحيز للرسالة الإعلامية الغربية .
الرسالة الإعلامية تكون مترجمة دوما للرؤية المعرفية الكونية الإنسانية للثقافة والحضارة التي انبثقت منها تلك الرسالة وتفتقت عنها .
وبالضرورة أن تتقمص الرسالة الإعلامية الغربية روح ثقافتها وحضارتها الأم ولا نريد أن نخوض في مجالات الوسم والوصم بهذا الخاتم أو ذاك فيما يتصل بمكونات ودعائم النظرة المعرفية الغربية ودرجات الإيجاب والسلب في كل ذلك فهذا لا يعنينا كثيرًا ونحن بصدد هذه المعالجة . وإنما يهمنا الإشارة إلي حقيقتين متصلتين بما نعكف عليه الآن: