د.سعيد بن ناصر الغامدي 6/11/1425
كتب كثيرون عن الصّحوة كل بحسب قناعته ومشربه ونفسيته و مقدار علمه وإنصافه، وقسّم بعضهم مواقف أصحابها إلى أربعة أقسام، وبعضهم جعلهم في قسم واحد مدموغ بالدمغة العلمانيّة المشهورة، التي يطلقها أصحابها ضد الصّحوة تحت عنوان ( من لم يمارس عنفه فقد نوى) .
بيد أن من أظلم المواقف ضد الصّحوة تلك التي تصدر من طائفة كانوا يسكنون منازل"الدعوة"، ويُدرجون في حدائقها ذات البهجة، ثم لأمر مّا -فالله وحده أعلم
بالنيات- آثر أهل هذا القسم أن يتركوا هذه المنازل وأن ينضموا إلى (ثلة) استمرأت قذف الحجارة على نوافذ تلك المنازل وأبوابها، وحرق أشجار تلك الحدائق وكسر أسوارها.
هذا القسم يستوطن -للأسف- غار النقمة وينطلق من منصّات الترصد، شعاره: (ما رأيت منك خيرًا قط) حتى تحوّلت عند بعضهم فضائل التجديد والمراجعة والتصحيح إلى رذائل، وعبث أفراد يبحثون عن أماكنهم، ولو لم يحدث التطوير والمراجعة لقالوا جمود وتصحّر وتخشّب!!
وفات على هذا الصنف من الناس التأمل في دلالات آيات قرآنية كريمة في هذا المعنى منها قول الله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) [ص:28] .
ومنها قوله سبحانه: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلّ على مولاه أينما يوجْهه لا يأتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) [النحل:76] . ولعله ليس من قبيل المصادفة أن ينتقل هؤلاء الناقمون من مربع أدنى، إلى منازلهم الأولى، إلى مربعات أخرى تأخذهم نحو الأبعد فالأبعد ليتحول أحدهم إلى ممارسة هدم ما لم يحسن بناءَه وتلطيخ لوحةٍ لم يسهم في رسم روائعها حتى وصل الحال ببعضهم إلى الانتقال إلى العدوة القصوى، وببعضهم إلى وصف روّاد الدعوة والصحوة بالتصحر مع أنهم - في الجملة من غير ادّعاء عصمة لأحد - أهل خير وبرّ وصلاح وإصلاح ونفع ورشاد أمرعت بهم الصحاري وأينعت بأعمالهم المباركة القلوب والأفكار والأعمال، وأضاءت بهم حَوالِك.
وما الضياء اللامع على جبين هؤلاء إلا قبس من نور مشكاة الفضائل المتنامية في
جو الإيمان والأخوة الضافي فمن لم يحس بهذا ولم يره يُقال له:
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهُدى ... ...
فإذا عشقت فبعد ذاك فعنّفِ
وما هو بعشق أهل البطالة ، لكنه عشق المكارم والمعالي، والقمم العوالي، والبذل الدقيق المتوالي كما قال الشاعر:
عشق المكارم فهو معتمد لها ... ...
والمكرمات قليلة العشاق
وأما من لم يكن بهذا الميدان، ولا بلغ مبالغ أهل هذا الشأن، ولاجرى مع فرسان هذا الميدان فهو حقيق بأن يُقال له: ما هذا بعشك يا حمامة فادرجي!!
وذلك أن المترصد المتجانف قد اختار العيش في سفوح الذات، وحفر النزعات ولم يجد سوى نشر التهم والمثالب والإشاعات، تاركًا الأعباء الكبيرة لأهل العزم.
في الناس من يحمل الأعباء محتسبًا ... ...
فنفسه دائمًا مخنوقة الذات
وفيهم المرتمي في حضن رغبته ... ...
فما يجيد سوى نشر الإشاعات
(مع الاعتذار للشاعر د0العشماوي لتحوير الشطر الأخير) 0
و من لم يعرف الرشاد الذي تشيعه أعمال العلماء والدعاة وتربّى عليه فمن نفسه أُتِي.
قد تنكر العينُ ضوءَ الشمس من رَمَدٍ ... ...
وينكر الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَمِ
وما بالشمس من عيب إذا عشيت عنها الأعين الرمد، وليس بالعذب الزلال من كدر إذا لم يجد الفم المريض طعمه، لكن ضعيف البصر، وأعشى النظر، ومريض الفم يرى الشمس محاطة بالقتر والغبار ويجد طعم الزلال مرًا، ولا يضرّ ذلك شمس الضحى ولا زلال الماء؛ فالخلل من الناظر والشارب من داخله هو.
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة ... ...
أن لا يرى ضوءها مَنْ ليس ذا بصر
ومن يكُ ذا فمٍ مرٍ مريضٍ ... ...
يجدْ مرًا به الماءَ الزلا لا
وهذا القول من الإنصاف الواجب، ولا نزكي أحدًا على الله، ولا ندّعي العصمة لأحد، ولكنها شهادة الواقع ومخاوف الأعداء تؤكّد ما نقول، وقبل ذلك كله دلالة الشرع الكريم على صحة أصل مسلك الدعاة، وصواب طريق مثقفي الإسلام وعلمائه، ذلك الطريق الذي جمع بين الربانية والشمول والتكامل والعالمية وفق رؤية معلومة تشيع الفقه، وتربي بالتعبّد، وتحث على التمسك بآداب السنة، وتتناول العمل الخيري، وتسهم في برامج عملية بديلة، كل ذلك يأتي ضمن إطار توازن وتدرج وبحكمة وموعظة حسنة، وفي جوّ من التآخي والتحابّ، في الجملة، مع وجود مكدّرات ونواقص وأخلاط، لا تقتضي طمْر المحاسن و الفضائل التي يعبق أريجها في كل أنف ذي شمم، تجعلنا نذكر بمناقب هؤلاء الأخيار من غير فخر ولا غرور، و من غير ادّعاء كمالٍ لهم، فإن غاب عن القاعد جمال هذه الصفات، وفات على الراقد إدلاج سراة الليل، وخفي على الأعشى حسن تلك المناقب، فليس ذلك بعيب في منهج دعوة وصحوة تترسم طريق الأنبياء وتحرص عليه، وإن حصل زلل هنا وخلل هناك، لكن العبرة بالغالب، فإن المعصية والبدعة