فهرس الكتاب

الصفحة 19970 من 27345

في تأويل لفظ النص والتأويل '

بقلم علي التمني

"...وفي تقديري ومن خلال قراءتي للواقع الفكري العلماني أن أهل الزيغ والضلال يسعون بهذا اللفظ كما عند نصر أبي زيد وأركون وغيرهما من الماديين الدهريين أن يقدموا القرآن على أنه نص تاريخي ( أي مادي بشري صنعه الإنسان عبر التاريخ ) ..."

كثر في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح (النص والتأويل) ، عند فئة من أصحاب العقول الذين لا يؤمنون بغير المحسوس والمشاهد، ويرفضون الإيمان بالقضايا الغيبية الثابتة في القرآن الكريم، وهذه العقول الزائغة لها أن تقول ما شاءت، فليس بعد الشك في الله تعالى وقرآنه كفر ضلال .

ولكن في تقديري أنه لا ينبغي التوسع في إطلاق (النص) على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من قبل أهل الإسلام، لأن هذا الإطلاق قد يؤدي إلى مشابهتها بالنصوص البشرية، فيصلح - حينئذٍ - أن يكون المنهج في تفسير القرآن والسنة هو ذات المنهج في فهم النصوص البشرية، وهنا يكون التلبيس .

وأما مصطلح (التأويل) فقد ذهب أهل الشك والزيغ إلى استعماله، ليثبتوا نظريتهم التي تقول: إن القرآن الكريم نص تاريخي، أي نتاج ظروف تاريخية بشرية محددة، وهو ما يعني رفض الإيمان بأن القرآن الكريم وحي من عند، والمقصود بـ (التاريخي) في هذا السياق عند أصحاب المذهب المادي الدهري (الإلحادي) ، يعني نتاج التفاعل الإنساني مع مجمل الظروف السائدة، ومن هذا التفاعل تحقق كل شيء: العقائد والأفكار والسلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ونحوه . ومن جانب آخر فالتأويل أعلى درجة من التفسير، وهو عند علماء الإسلام أمرٌ خاصٌّ بالله تعالى قال الله تعالى: [ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ] (53) الأعراف، وعند ابن كثير: (هل ينظرون إلا تأويله) أي: ما وعدوا به من النكال والجنة والنار، قاله مجاهد وغير واحد، وقال مالك: ثوابه، وقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ، وقوله: (يوم يأتي تأويله) أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس"انتهى . ويوم القيامة من علم الله تعالى ولذا عبر بهذا اللفظ: (تأويله) ، والله أعلم ."

وقال الحق العليم سبحانه: [ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ ] ( 7 ) آل عمران، وهذه الآية صريحة في اختصاص الله تعالى بتأويله، ولذا كان الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى [ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ ] ، لازمًا، ولذا نجد علماء الإسلام لم يستخدموا هذا اللفظ - التأويل - بل استعملوا لفظ التفسير .

وفي تقديري ومن خلال قراءتي للواقع الفكري العلماني أن أهل الزيغ والضلال يسعون بهذا اللفظ - كما عند نصر أبي زيد وأركون وغيرهما من الماديين الدهريين - أنْ يجعلوا القرآن نص تاريخي (أي مادي بشري صنعه الإنسان عبر التاريخ) ، ومن ثم فهم يسعون إلى إقناع الناس وخاصة المسلمين أن القرآن يمكن تأويله أي رده إلى أوله أو مبدئه باعتباره نصا تاريخيا بشريا، وما كان بشريا تاريخيا في طبيعته فيمكن فهمه وفهم مصدره ومبدئه ومكوناته من قبل العقل البشري، في زعمهم الباطل، وقد ألفوا ونشروا الكتب في هذا الباب ومضمونها ما توهموه وزينته لهم عقولهم القاصرة الكليلة من أنه من المتحقق تأويل القرآن وليس مجرد تفسيره، وأنه يمكن تفكيك كل جهد بشري - وهم يرون ويعتقدون بشرية القرآن - وتأويله أي التعرف والتعريف بمنطلقاته وظروف تكونه أو تكوينه، وهذا من أعظم الزيغ والضلال، لأن تأويل القرآن لا يكون إلا لله تعالى وحده .

ولقد جاء هؤلاء بالمضحكات المبكيات حين حاول الماركسيون منهم تأويل القرآن والسنة وفق نظرتهم المادية الجدلية ووفق المنظور الاقتصادي الذي يرون أنه المحرك لكل شيء .

وفي الوجهة الثانية يقف (البنيويون) ومعهم (السيميائيون) وكل أطراف الفرقة (الألسنية) و (الأنثروبولوجية) محاولين تفكيك القرآن الكريم و (تأويله) وفق المناهج التفكيكية، مع إعمال النظرة البنيوية وموت المؤلف .

وقد فشل هؤلاء فشلا ذريعًا، وهم يعلمون أنههم فاشلون لكنهم يتوسلون بهذا النفاق إلى الغرب وجامعاته التي يهمها أنْ ينبري بعض من يحملون اسم (محمد أو عبدالله أو حامد أو حسن أو غير ذلك) لهدم قدسية القرآن والسنة في عقل وفؤاد المسلم خاص ، والغربي الذي يبحث عن الحق، الذي يشعر بالظمأ إلى الإيمان الذي لا وجود له في غير القرآن والسنة، أي الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت