فهرس الكتاب

الصفحة 23518 من 27345

مع الرجل العظيم الداعية الرباني الشيخ محمد الحامد رحمه الله

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

لقد اختار الله إلى جواره خلال الأيام القريبة الماضية الشيخ محمد الحامد أجزل الله له المثوبة، ويلاحظ -ولله الفضل والمنة- أنه سبحانه قد أكرم هذا العلم من أعلام الإسلام، بأن جمع له بين العلم النافع، والعمل بهذا العلم، والاستقامة على العبادة، والورع في الدين، فهو عالم عامل عابد زاهد، مجاهد، يخشى الله واليوم الآخر، وإذا كان فضل العالم على العابد كفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى أصحابه، فما بالك بمن أكرمه الله بالعلم والعمل والعبادة والصدع بالحق والزهد في الدنيا والخشية الصادقة لله عز وجل؟!

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال:"ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام:"

فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.

ثم قال صلى الله عليه وسلم:

إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير"."

رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح

يبعث أمةً وحده

إنا لا نتألى على الله عز وجل، ولكننا بما عرفنا بيقين لا يعتوره شك، نحتسب أن يكون رحمه الله في عداد أولئك الذين عناهم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه:

"ألا أخبركم عن الأجود الأجود، الله هو الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمةً وحده، ورجل جاد بنفسه لله عز وجل حتى يقتل".

أخرجه أبو يعلى والبيهقي

مصاب الأمة ورفع العلم..

لقد ذعرت الأمة بوفاة هذا الرجل الذي قضى في سبيل الإسلام -وأعني هنا أولئك الذين يدركون معنى المصاب بموت العالم العامل الزاهد في الدنيا المجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله- لقد ذعرت الأمة وحق لها ذلك في وقت يعز فيه العاملون الزاهدون المستعلون على الحطام، الذين يخشون الله فيما يحملون من أمانة العلم، وتبليغها للناس عن بصيرة وتحقيق وتقوى لله عز وجل، أفلا يسوغ لجيلنا الحاضر أن يخاف أن يصدق فيه ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفع العلم بقبض العلماء؟؟.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".

أخرجه البخاري ومسلم والترمذي

نعم يحق لنا أن نخاف... وإن كان الشيخ -رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خير الجزاء- بما أدى من أمانة نشر العلم بأمانة وإخلاص يقل نظيرهما، وبسلوكه الذي كان مثلًا كريمًا يحتذى، قد ترك -والحمد لله- من نأمل أن تفيد الأمة من علمهم وعملهم وخشيتهم لله بما رباهم عليه من التحقيق والورع والعمل الجاد إن شاء الله.

أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه

إن كل الذين صحبوا الشيخ الحامد رحمه الله بصدق، يعلمون أنه كان في مرضه الذي عانى منه سنين حيث أرهقه الجهد الدائب علمًا وتعليمًا وخطابة وتدريسًا وتأليفًا ومنافحة عن الإسلام، فأخذ منه الإعياء مأخذًا، وحيث تقرحت كبده حرقة على المسلمين، وقلقًا على ما يصيب الأمة في دينها وبعدها عن شريعة الله، يعلمون أنه لم يكن يجزع من الموت، وإنما كان يرى في المرض جسرًا يوصله إلى لقاء الله عز وجل. فلقد أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه.

جاء في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. فقالت: عائشة رضي الله عنها: إنا لنكره الموت. قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه".

أخرجه الخمسة إلا أبا داود

رحم الله الشيخ الكبير رحمة واسعة، وبوأه الفردوس الأعلى في دار كرامته وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وصدق الله العظيم.

"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها فأولئك كان سعيهم مشكورًا".

"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".

* مجلة حضارة الإسلام -السنة 10 -العدد 1 -ربيع الأول 1389هـ -آيار/ حزيران 1969م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت