فهرس الكتاب

الصفحة 5555 من 27345

يقع التصرف بالمال الحرام على حالتين نبينها كالتالي:

الأول: الإنفاق له في وجوه الخير .

ويكون هذا التصرف في حالة عدم إمكان تمييز الجزء الحلال من هذا المال عن غيره ، بشرط جواز رد ذلك المال إلى صاحبه ، وشرط هذا الجواز أن لا يكون أخذ مقابل منفعة محرمة .

ومما يدل على ذلك:

1ـ ما رواه أبو داود بإسناده عن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال:"خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على القبر يوصي الحافر أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه. فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوك لقمة في فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها. فأرسلت المرأة فقالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها. فقال: أطعميه الأسارى" (1) ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتصدق بالشاة المطبوخة التي قدمت له ولأصحابه لما علم أن الشاة أخذت بغير إذن صاحبها.

قال العلامة علي القاري: (فظهر أن شراءها غير صحيح؛ لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح) (2) .

2ـ القياس:

حيث قاس بعض أهل العلم التخلص من المال بالتصدق به قاسوه على اللقطة إن تعذر ردها إلى مالكها فإن الملتقط يتصدق بها، وينبغي أن يعلم أن إخراج المال الحرام والتحلل منه ودفعه إلى الفقراء والمساكين يسمى هذا الدفع صدقة بالنظر إلى الفقير لا بالنظر إلى المعطي ذلك أن التائب من المال الحرام بإخراجه إلى الفقراء والمساكين لأجل أن تقبل توبته لا لأجل الأجر والثواب فهذا الإخراج من مكملات التوبة وشروطها ولا أجر لهذا الشخص في هذا التصرف.

العلماء الذين أفتوا بذلك:

1ـ الإمام الزهري:

سئل الزهري عن رجل يصيب المال الحرام قال إن سره أن يتبرأ منه فليخرج منه (3) ، وعليه فينبغي على المسلم أن يتخلص من هذا المال الحرام بصرفه كله إلى الفقراء والمساكين أو صرفه في مصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى أو إصلاح طريق أو المرافق العامة ونحو ذلك، ولا يحل له أن ينتفع به هو وأهله وعياله، ولا يحل له أن يحتفظ بهذا المال؛ لأنه اكتسبه من طريق غير مشروع.

وقد نص كثير من أهل العلم على أن التخلص من المال الحرام يكون بالتصدق به، ومن هؤلاء العلماء الذين ذكروا ذلك:

2ـ الإمام القرطبي:

حيث قال عند تفسير قوله تعالى: ?فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ? [البقرة: 297] . ما نصه: (قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت ربًا فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضرًا فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك. وإن أخذ بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدًا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين...) (4)

3ـ شيخ الإسلام ابن تيمية

حيث أفتى:

1ـ بأن البغي و الخمار إذا تابوا و كانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم فان كانوا يقدرون يتجروا أو يعملوا صنعة كالنسج و الغزل أعطوا ما يكون لهم رأس مال و إن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به و لم يردوا عوض القرض كان أحسن (5)

2ـ ويقول: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند جماهير العلماء كمالك و أحمد و غيرهما فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواري أو ودائع أو هون قد يئس من معرفة أصحابها فانه يتصدق بها عنهم أو يصرفها في مصالح المسلمين أو يسلمها إلى قاسم عادل يصرفها في مصالح المسلمين المصالح الشرعية

و من الفقهاء من يقول توقف أبدا حتى يتبين أصحابها و الصواب الأول فان حبس المال دائما لمن لا يرجى لا فائدة فيه بل هو تعرض لهلاك المال و استيلاء الظلمة عليه و كان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية فدخل بيته ليأتي بالثمن فخرج فلم يجد البائع فجعل يطوف على المساكين و يتصدق عليهم بالثمن و يقول اللهم عن رب الجارية فان قبل فذاك و إن لم يقبل فهو لي و علي له مثله يوم القيامة و كذلك أفتى بعض التابعين من غل من الغنيمة و تاب بعد تفرقهم أن يتصدق بذلك عنهم و رضي بهذه الفتيا الصحابة و التابعون الذين بلغتهم كمعاوية و غيره من أهل الشام (6)

ثم جاء العلماء المتأخرون موافقين لهم ، ومن هؤلاء:

4ـالشيخ سعود بن عبد الله الفنيسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت