لاشك أنّ نسبية الحقيقة هي الناظم الذي يشمل كل تلك الطروحات بدءًا من تشكيك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وفي واقعة بنائهما الكعبة، ومرورًا بربط الدكتور حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة، وباعتبار الدكتور نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظًا ذات دلالات تاريخية، وانتهاء باعتبار الدكتور محمد شحرور جواز تأرجح الحدّ بين اجتهادين أعلى وأدنى ... ولا أريد أن أكرر الحديث عن الخصوصية التاريخية التي جعلت ثقافة الغرب تقوم على نسبية الحقيقة، ولا أريد أن أفصل مناقشة رأي كل كاتب فيما يتعلق بالنصوص القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي تعرّض لها؛ فقد فعلت ذلك في مواضع أخرى أو فعل غيري ذلك، ولكني أردّ موجزًا مختصرًا فأتساءل: هل يجوز لطه حسين أن يرد نصوصًا قطعية الثبوت قطعية الدلالة في شأن وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وفي شأن بنائهما الكعبة من أجل وجود أساطير مشابهة قبلها الرومان عن بناء روما من قبل بإينياس بن بريام صاحب طروادة اليوناني؟ لماذا يربط الدكتور حسين أحمد أمين بين حدّ السرقة والأموال المنقولة، ولا يربط ذلك بفعل السرقة الشنيع وما يشتمل عليه من ترويع وتخويف واعتداء على المسروق وما يصوره من طمع السارق ودناءته وتطلّعه إلى ما في يد الغير بغير حق مشروع؟ لماذا يعتبر الدكتور نصر حامد أبو زيد الكلمات: السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظًا ذات دلالات تاريخية؟ فهل نفى العلم بشكل قطعي وجود حقائق عينية لتلك الألفاظ حتى نعفي عليها ونعتبرها ألفاظًا لا حقائق لها وذات دلالات تاريخية؟ لماذا يُخضع الدكتور محمد شحرور كل الألفاظ القرآنية للتحليل اللغوي المعجمي مع أنّ الإسلام أخرج كثيرًا من الألفاظ من معناها اللغوي وجعلها مصطلحات أعطاها معاني أخرى أمثال: الصلاة، الزكاة، الإيمان، الكفر، الحدّ الخ ...، وعليه أن يحترم هذه المصطلحات عند أيّ بحث علمي؟
والآن أعود إلى نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة، وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءًا أساسيًا من ثقافة الغرب والتي تختلف عن ظروفنا التاريخية وأتساءل: هل حقًا ليس هناك ثبات في الحقيقة؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون؟
لقد جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يشير إلى ثبات بعض الحقائق من الفطرة الثابتة التي لا تتغيّر، قال: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ) . [الروم،30] ، فطالما أنّ هناك فِطرة ثابتة لا تتغيّر فهناك حقائق ثابتة لا تتغيّر، وهذا ما قادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا. ...