فهرس الكتاب

الصفحة 16861 من 27345

رئيسي:الرقائق:الخميس 11 صفر 1425هـ - 1ابريل 2004م

في الأرض قمم شامخة، وفي السماء نسور تحلق، وتزاحم النجوم، وفي المقابل نرى من يزحف في بطون الأودية, أو يدفن رأسه في التراب كالنعام.. واذا نظرت في الحياة، فسترى قيمًا عالية، وأخلاقا رفيعة، وفى المقابل، ترى سفاسف دنيئة، وقيمًا وضيعة، والناس كالطيور، منهم من يحلق هنا وهناك، ومنهم من يلتصق بهذه، أو تلك،

قال ابن الجوزى رحمه الله: وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام

فمن هم سكان القمم؟هل هم بشر كسائر البشر؟ أم يعيشون على كوكب آخر؟

إن سكان القمم أناس مثلنا، يعيشون على هذه الأرض بأجسامهم، لكن هممهم وعزائمهم تحلق في السماء.

سكان القمم لا يرضون لأنفسهم من كل شيء إلا أحسنه، ومن كل أمر إلا أتمه وأجمله، وقد قيل قديمًا:'قدر الرجل على قدر همته'. فمن كان عالي الهمة؛ كان عالي القدر..فبادر ولا يقعد بك العجز عن المكرمات، حاول أن تكون من سكان القمم، وابذل في تحصيله كل غال ورخيص، ولا تدخر في ذلك أي نفيس.

لكل مُجِدٍّ مكافأة تليق بمقامه:

فمن جدَّ في العلم؛ كوفئ باحتياج الناس إليه.. ومن جدَّ في بذل المعروف كوفىء بثناء الناس عليه.. ومن كان همّه ما يأكله.. كان قيمته ما يخرجه، فأين طلاب المعالي؟ أين أصحاب الهمم العوالى ؟ أين من يحب الله صنيعهم ويبارك مسيرهم؟ لا يسأل الكثير إلا من كان عقله يفكر بالكثير..ولا يطلب العظيم إلا من كانت نفسه تسمو لكل عظيم،

إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

إن حياتك مغامرة كبيرة، وان لحظات عمرك مباراة خطيرة:

فإياك أن تخرج منها خاسرًا، قبل أن تبنى لك بيتًا في الجنة..عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ: [فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ] رواه مسلم.

قال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [21] } [سورة الحديد] .

إن المكارم لا تحصل بالمنى لكن لها بالتضحيات سبيلا

فلكم سما للمجد من أجدادنا بطل أقام على السمو دليلا

فسل المعالي عن شجاعة خالد وسل المعارك هل رأته ذليلا

وسل الحضارة إن رأيت بهائها عمن أنار لهديها القنديلا

وسل المكارم والمعالي هل رأت من بعدهم في ذا الزمان مثيلا

هذى المكارم عندهم كبداية لسلوك درب ما يزال طويلا

في الأرض مجدهم ولكن قلبهم لجنة الفردوس رام رحيلا

وخذ المكارم لا تخف أعبائها المكارم لا يكون ثقيلا

روى أن أعرابيًا سال أناسًا من أهل البصرة:من سيد القوم في بلدكم؟ فقالوا: الحسن أي البصري، فقال بم سادهم؟

قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم .

سكان القمم أبعد ما يكونون عن زخارف هذه الدنيا وبهرجها:

الهم الأكبر لسكان القمم هم الآخرة، أما الدنيا فقد استصغروا متاعها، واحتقروا نتائجها، وترفعوا عن الاستباق فيها، فتحرروا من قيودها وهمومها، يقول الحسن رحمه الله:'من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره' .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ] رواه الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت