فهرس الكتاب

الصفحة 26473 من 27345

يوسف الحجيلان 9/8/1424

ليس التخلي عن المبدأ و النكوص عنه شهوة بحد ذاتها ولا هدفاً حتى ترى زرافات ووحدان من بني الأمة ينكصون فرّاراً لا كرّاراً عن قيم ومبادئ كانوا وإلى الأمس المشهود يحملون رايتها ويذبون عن بيضتها، ويجرِّمون من يتعدى على حرمتها لا تأخذهم في ذلك لومة لائم ولا همزة همّاز أو لمزة لمّاز، مستعدين وبكل ثقة أن يسقوا شجرة مبادئهم ثمالة دمهم.

ثم وبين طرفة عين وانتباهتها تراهم وقد استداروا وقلبوا ظهر المجن، وعطفت خيلهم ورجلهم على حرمات المبادئ فاستباحوها، وكأنهم كانوا يتربصون بها الدوائر ولو كانت القضية مراجعة وإعادة تأصيل؛ لأمكن التعذير، على أن فداحة الخطأ قد تصعب العذر، لكن الحق أنه هروب وإلى الأبد حسب ما وصلت إليه قناعاتهم ويتلفظون به.

أعداداً منهم دفعوا ثمناً جزلاً لمبادئهم؛ السجن، والوظيفة، والإهانة، أو بعض ذلك، فما الذي جرى حتى تقلب الطاولة بهذا الشكل، وكأن الجهاد والولاء والبراء ومسائل جمّة في الاعتقاد والنظرة إلى الطوائف الأخرى، وحجاب المرأة، والغناء، والبث الإسلامي وغيره نوازل أوجبت اجتهاداً، ولم يسبق أن وجدت يوم كان القوم بني أبيهم؟!.

من خلال همس المجالس أحياناً أو صراخها أحياناً أخرى تسمع من يقول إن عشرات من أولئك وجدوا مكاناً لهم يرتاحون فيه من عناء النضال، ويكسبون فيه قيمة حسية أو معنوية وقطاعاً آخر منهم حفيت أقدامهم وكلّت قواهم عن المواصلة وأحسب جزءًا منهم لم تكن لديه القناعة الكافية، إنما عزف وببغاوية على نفس الوتر السائد فاحتمله السيل زبداً رابياً.

في حدود نظري لا مشكلة ما دامت الانكفاءات والنكوص في حدود الذات وما وليت وكل يولي ما تولى من قضيته، ويحمل وزرها دون حاجة لفتح بوابات جدل ومعارك بين أطياف الصف الإسلامي؛ فعنده من ذلك ما يكفيه؛ إلا أن ما يثير حفيظة الغيورين من أصحاب الدرب ورفاق النضال أن رفاقهم وجدوا فيهم خير فرصة للكسب، وفي الطعن والتثريب عليهم ما هو أسرع في رفع الأسهم في بورصة العالم الجديد، وزيادة الترقي في سلم اللبرالية، وتبرئة الذات عند عدو الأمس، وكأن صك البراءة من درن الماضي لا يكمل إلا أن يختم بخاتم التشنيع والتثريب على الرفاق وأخوة المبادئ التليدة في نفس الوقت الذي يكون فيه التسامح واللين مع أعداء الماضي مطلب حضاري وخلق نبيل لإظهار الإسلام بقالبه الجديد في عقائد هؤلاء"أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين"وفي زحمة البحث عن الذات وقنص الفرص السانحة نسوا، أو أرادوا أن ينسوا أن الأيام قد تلد ما لم يخطر ببال، وأن قطع خطوط الرجعة ليس من استراتيجيات أبسط المعارك، وأن القواسم المشتركة بين الفريقين لا تزال متينة وكثيرة إلى حد يفوق ما بتر منها وأن القمة مدببة لا محددة وتتسع لأكثر من واحد، ودرجات الصعود في عالم النفعية يمكن أن تنال بغير هذا النهج، وتبرئة الذات يكفي فيها إعلان التوبة وبعضاً من هذه الأطروحات الباهتة يكفي لإثبات صدق النوايا للآخر فلا حاجة للتجريم، وإن كان ولابد فيكفي التلميح وعند العجز عن مواصلة الطريق والإحساس بوعورة المسلك فإليهم قول الشاعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت