أ.د. ناصر بن سليمان العمر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران:102) ،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (الأحزاب:70، 71) .
أما بعد فهذه سلسلة مقالات أقف فيها مع آيات في سورة يوسف، أسأل الله أن ينفع بها، وسوف أسلك في الوقوف مع الآيات مسلك التفسير الموضوعي؛ لحاجة الناس إلى استخراج ما يلمس واقع حياتهم، من الموضوعات التي عرضت في القرآن الكريم، كما أن التفسير التحليلي أُلفت فيه الأسفار العظام ولم يذر من ذهب لمن بقي فيه إلاّ الأثر، ولعلي أشير إلى ما دعت الحاجة إليه في موضوعه.
أسباب اختيار الموضوع:
أما اختياري للوقوف مع هذه الآيات فقد جاء لأسباب كثيرة، أهمها:
-ضرورة ربط واقع الناس بالقرآن والسنة، لما لهما من أثر على حياة الفرد والأمة، خاصة وأن الأمة تعيش وهنًا وضعفًا لم تمر بمثله في تاريخها، وكلنا يبحث عن العلاج والعلاج في القرآن"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء: من الآية9) ، وكلنا يرجو السلامة والنجاة من مضلات الفتن التي تتابع والنجاة في القرآن، قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي".
فرغد الحياة في كتاب الله _جل وعلا_، ومعالجة مشكلات الحياة في ضوء القرآن الكريم من أقوى وسائل الخروج منها، بل من أقوى أسباب رقي الأمة، والعود بها إلى سابق عهدها، الذي كان يعيشه السلف الصالح _رضوان الله تعالى عليهم_.
-ومن أسباب اختيار سورة يوسف: نزولها في وقت حرج عاشه الصحابة الكرام _رضوان الله عليهم_، فقد نزلت في العهد المكي، والمسلمون في وقت شدة، لا تزال تكتنفهم أجواء عام الحزن، مع ترقبهم لبيعة العقبة الأولى وما ستسفر عنه.
فنزلت السورة في تلك الأجواء، شاحذة للهمم، مسلية عما مضى، مبينة السبيل التي سلكها من سبقهم للخروج من أزماتهم.
ففي قصة يوسف عظة وعبرة لهم، إذ مر _عليه السلام_ بأصناف من المحن والابتلاءات، ثم خرج منها جميعًا بتوفيق الله.
وفي الوقت نفسه تعيش أمتنا اليوم وقتًا حرجًا من تاريخها، خاصة بعد الغزو الغربي لأمة الإسلام، وعودة عصور الاستعمار، التي خلت، فبعد أن رزحت الأمة تحت وطأة الاستعمار عقودًا دُرست فيها معالم من علم الشريعة، كانت لا تخفى بين الناس، بدأت آثار الاستعمار تنحسر بقيام الصحوة الإسلامية المباركة في المشارق والمغارب، فلم يجد الأعداء بدًا من إعادة الكرة للحيلولة بين الأمة وبين نهضتها.
ولما كان الارتباط بين الأمم السابقة واللاحقة وثيقًا، لتشابه الأحوال والظروف، وتوافق الطبع البشري ، وإن اختلفت العصور والآلات، كان من الطبيعي أن تكون في قصة يوسف دروس تناسب حال من نزل عليهم القرآن، وكذلك تناسب المسلمين في كل زمان ومكان،
ولعل من الدروس المهمة المستقاة من نزول سورة يوسف وبيان تفاصيل قصتها للصحابة الكرام، في ذلك الوقت، هو: بيان أن قراءة سير الأولين، وأخبار القرون الماضين، من أعظم الأسباب التي ترفع من شأن الأمة وتزيد من كفاءتها، ولهذا قال الله في كتابه العزيز في أكثر من موضع:"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا" (يوسف: من الآية109) وقد تكرر معناها.
وقد انتزع بعض أهل العلم من قول الله _جل وعلا_:"لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ" (يوسف:7) ، أن هناك من سأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن قصة يوسف فنزلت هذه السورة.
وهذا لا يعارض ما سبق بيانه، فالله يسر سؤال السائل وقدره لحكمة عظيمة، منها ما يتعلق بواقع المسلمين إذ ذاك.