فهرس الكتاب

الصفحة 4261 من 27345

بقلم: أ. د. فاتن مرسي

البحث العلمي المتقصي الدقيق واستقراء الواقع يقودان إلى التأكيد على وجود ما يسمى ب (غسيل الدماغ الجماهيري (Washing Mass Brain ونحن ندرك ونعرف منذ البداية أن هذا الاصطلاح غير مطروق في أي دراسة تعرضت لغسيل الدماغ، ولكن المقابلة العلمية والعملية لما يجري، وقياسه على تقنيات، وآليات عمل غسيل الدماغ سيقودنا إلى الاعتراف بأن غسيل الدماغ يتم ويمارس على الجماهير، متتبعين ومستخدمين الأساليب نفسها التي تستخدم على المستوى الفردي، ذلك لأن العالم يشهد الآن كثيرًا من الجهات التي تخطط إعلاميًا للتأثير على الشعوب وعلى أنماط تفكيرها أو انتمائها لفكر معين، مما يمكن تسميته بعمليات غسيل الدماغ الجماعي. إلا أن الإعلام الوطني الصادق يترك أثر السحر في حماية الدماغ من أي غزو، أو غسيل خارجي مستهدف، فالإعلام الصادق له تأثيره العميق سواء على الجماهير بل حتى على الكفاءة القتالية لدى الجيوش.

ففي المدرسة العسكرية الإسلامية لنا الكثير من الأمثلة على دور الإعلام الصادق وأثره الكبير والحيوي في الكفاءة القتالية لدى الجند، نذكر منها أنه عندما علم رسولنا الكريم، القائد من عيونه وأرصاده، أن قافلة لقريش في طريق عودتها من الشام إلى مكة، أمر أصحابه بالخروج لاعتراضها، وقال:"هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"لكن أبا سفيان عرف بأمر خروج المسلمين، فبعث إلى مكة يستنفر قريشاًَ لنجدته، إذ كانت قوة القافلة ثلاثين أو أربعين رجلًا، وعلم الرسول الكريم والقائد العظيم بأمر خروج قريش لقتاله، وذلك في غزوة بدر الكبرى.. فتبدل الموقف، ولم يعد الأمر"اعتراض قافلة"بل أصبح"مواجهة مباشرة"بين المسلمين وقوة المشركين من قريش، الأمر الذي تطلب قرارًا جديدًا أمام ذلك التحدي الخطير الذي يواجهونه لأول مرة منذ هجرتهم إلى المدينة، وهو مجابهة حربية حاسمة، تعد في حقيقتها أول"اختبار عملي"حاسم للإسلام، وكان للنتيجة التي سوف تسفر عنها المعركة آثار بعيدة المدى على الدعوة وعلى مستقبلها وعلى هيبة المسلمين، وقد عبر الرسول عن ذلك وهو يهتف بربه:"اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك"، اللهم نصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض"."

في ذلك الموقف العظيم يعلمنا الرسول الكريم درسًا عظيمًا في مجال الإعلام، يتعلق بموقف القيادة إذا ما علمت أن الجيش سوف يواجه عدوًا متفوقًا في العدد والعدة: فهل تخفى تلك المعلومات عنه خوفًا على الروح المعنوية أم تعلنها؟. لقد قرر رسول الله أن القيادة الرشيدة هي التي تعلن حقائق الموقف وتبصر الجيش بحجم التحدي الذي يواجهه، وضراوة المعركة التي سوف يدخلها ثم تتخذ في الوقت نفسه من التدابير ما يمكنها من مواجهة التحدي بثبات واقتدار، ومن التغلب على تفوق العدو أو تجريده من فاعليته وهذا هو ما فعله الرسول .

فقد أعلن كل ما حصل عليه من معلومات بصدق وصراحة ووضوح، فحين علم بخروج قريش عن بكرة أبيها للقتال قال:"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها".. وحين استنبط القوة العددية لقريش من استجوابه لأسيرين أحضرهما إليه رجال الاستطلاع قبل المعركة، أعلن ذلك على الفور فقال:"القوم بين التسعمائة والألف"، وذلك رغم أنه يعلم أن قوة المسلمين ثلث ذلك العدد!.. وحين عرف أن العدو أصبح قريبًا جدًا من بدر أعلن فورًا عن موقعه: وراء الكثيب بالعدوة القصوى (والعدوة القصوى أي حافة الوادي البعيدة من المدينة) ..

لقد كان من نتائج الإعلام الصادق بحقائق الموقف، إجماع المسلمين على قبول التحدي والتصميم على دخول المعركة ضد كفار قريش، وقد عبر عن ذلك قول المهاجرين:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع في اليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"وقول الأنصار:"فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.."وقد أظهر المسلمون في بدر ما لا يحصى من صور الشجاعة وقوة العقيدة وإرادة القتال وحب الشهادة في سبيل الله، وفرح المؤمنون بنصر الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت