إبراهيم أمين الزرزموني*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد 00
فإن للحديث عن رسول الله لحلاوة تتذوقها القلوب المؤمنة، وتهفو إليها الأرواح الطاهرة فهو بستان العارفين يحنون لسيرته وأخلاقه وشمائله ، فيقطفون منها على قدر جهادهم في حب الله ورسوله، وحرصهم على سنته وشريعته، فهنيئا لمن سار على دربه، ونهل من خلقه وهديه 0
وما أحوج الأمة اليوم للحديث عن رسول الله في عصر طغت فيه المادة، وقست القلوب وأصابت الأرواح وحشة واجتمعت الدنيا بأسرها على حرب الإسلام وأهله، وتجرأ الكفار على الإساءة له 0
أقول: ما أحوج الأمة التي تفرقت فطمع فيها القاصي والداني - ما أحوجها أن تعود لرسول الله فتعض على شريعته بالنواجذ، وتتأسى بخلقه، وتستن بسنته، وتملأ القلوب بمحبته وترطب الألسن بذكره والصلاة والسلام عليه0
وإذا كنا في ذكرى ميلاد الرسول فإننا نرى الناس يتبارون في الحديث عنه بعضهم عن أصله الكريم ونسبه الطاهر، وبعضهم يتحدث عن نشأته الزكية وطفولته وصباه، وبعضهم يتحدث عن البشارات على ألسن الأحبار والرهبان، أو عن دلائل نبوته ، ومنهم من يتحدث عن جهاده في الدعوة، وما تحمله من أذى واضطهاد ومنهم من يتحدث عن منهجه في التربية وعن صحابته الأجلاء وأثر تربيته لهم، ومنهم من يتحدث عن تشريعاته ومعاملاته في الحرب والسلم بعد ما يبين جهاده وغزاوته لنشر الدين الحنيف0
وكل هذه الجوانب هامة نحتاج إليها ولا ننكر على أصحابها، لكن هناك جانباً آخر قد يغفل بعضنا عنه، وهو من الأهمية بمكان - ألا وهو - واجبات الأمة نحو رسول الله وما أكثر ما يجب علينا تجاه رسول الله ، ونستعرض في عجالة - بعضاً مما يجب علينا أن نؤديه لرسول الله .
الواجب الأول: الإيمان بنبوته والتصديق برسالته:
لقد دل القرآن الكريم على صدق رسالة سيدنا محمد وعلى صحة نبوته، ولذا وجب على الناس جميعهم أن يؤمنوا به نبياً ورسولاً وأن يصدقوه فيما جاءهم به من أحكام وتشريعات وعبادات فالإيمان به واجب متعين على كل فرد ولا يتم للإنسان إيمان إلا به، ولا يصح له إسلام إلا معه يقول تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) آية 158 الأعراف
فقد أوجب الله تعالى الإيمان به وجعل الهداية لمن اتبعه وسار على نهجه واسمعوا ما جاء في عقاب من خالف رسول الله وأعرض عن دعوته ومنهاجه الشريف، يقول الله تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً"13 الفتح"
وقد ذكر الله أن الكفار وهم يعذبون في النار يتمنون لو أنهم كانوا آمنوا بالله ورسوله وأطاعوه في الدنيا، قال تعالى: ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً، ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) الفرقان 26 ، 27
ثم لنسمع لرسول الله وهو يقول فيما أخرجه الإمام مسلم عن أبى هريرة أنه قال: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) .
وواجب علينا أن نوضح أن الإيمان الصحيح برسول الله هو الإيمان النابع من القلب مع إتباع الإيمان القلبي بعمل صالح يرضى الله عنه .
الواجب الثانى: طاعة الرسول فيما أمر به واجتناب ما نهى عنه:
إذا آمن المرء بأن محمداً عبد الله ورسوله وصدقه فيما جاء به وجب عليه أن يطيعه فيما أمره به رسول الله وأن يبتعد عما نهى عنه النبي . يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون) الأنفال 20
وقد عطف الله طاعة رسوله الكريم على طاعته سبحانه وتعالى إشارة إلى تلازم الطاعتين فلا تصح طاعة إحداهما دون الآخر0 ثم اسمع لقول الحق تبارك وتعالى:(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين"التغابن 12"
فهنا كرر المولى عز وجل لفظة"وأطيعوا لأن الرسول له سنة ثبت بها أمور تشريعية لم ينص عليها القرآن الكريم، ولذا أمرنا الله تعالى أن نطيع نبيه الكريم لأنه المعصوم الصادق المصدوق ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى0"
وطاعة الرسول ليست طاعة اختيار وهوى إن شاء المرء فعلها، وإن شاء تركها، كلا، بل طاعة الرسول طاعة إلزام، وجزء من حقيقة الإيمان ولذا قال الله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) النساء 64 أي أن طاعة الرسول تكليف رباني وأمر إلهي على تاركها العقاب ولفاعلها الثواب .