فهرس الكتاب

الصفحة 11222 من 27345

أمين حسن أحمد يس*

لقد حيرت النفس الإنسانية العلماء على امتداد التاريخ البشري على ظهر الأرض، وتعددت تعريفاتها بتعدد الاتجاهات الفكرية حولها، غير أن علماء الغرب الذين تموضعوا في المادة؛ وابتعدوا عن الروح كانوا أقل الناس حظًا في معرفة النفس؛ فهذا (ألكسيس كاريل) يقول في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) : (إن ما حققه العلماء فيما يختص بدراسات الإنسان ما زال غير كاف، وما زالت معرفتنا بأنفسنا بدائية في الغالب) ..

هذه البدائية نجدها في تصور (سكمندي فرويد) للإنسان في قوله: (غريزتان تتحكمان في سلوك الإنسان البطن والفرج) .

ثم جاء (كارل ماركس) ليؤسس ذلك كيانًا فكريًا واقتصايًا وسياسيًا.. ويتبعه في ذلك (فرويد) الذي أسس نظامًا (للمجتمع الغريزي) ..

وخارج إطار المادة كان في الغرب من يدعو بخيال مجنح إلى كائن أسطوري ومخلوق خرافي يدعي أنه (الإنسان السوبر) !!.. ذلك هو (فريدريك نيتشه) الذي قال: (إن عهد الآلهة قد ولّى؛ وجاء عهد الإنسان الخارق) ..

وما ذاك إلا لأن الغرب لا يملك رصيدًاَ حضاريًا يسمح له بأن يتعرف على حقيقة الإنسان؛ فتاريخه يشهد بإفلاسه الفكري والحضاري!!.. ويؤكد ذلك مقالات علمائه، وحياة شعوبه التي تكاد تخلو تمامًا من المعاني الإنسانية؛ فهم يعيشون حياة يأنف الحيوان البهيم من عيشها.

أما هناك - في الشرق المتمثل في المنطقة العربية الإسلامية فيما يسمى بالشرق الأوسط - فنجد أن النفس تعرف بذاتها من خلال حياة تعبر عنها؛ لأنها تستمد وجودها وحياتها من خالق الوجود والحياة..

لكل هذا كانت نظرة علماء الشرق الإسلامي للنفس مشبعة بهذه المعاني.. يقول ابن تيمية: (الإنسان عبارة عن الروح والبدن معًا، وهو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية الروح) !!..

بهذا التكامل والتوازن تبرز قيمة المجتمع المتحضر..

الإنسان في التصور الإسلامي لا يكتسب وجوده صفة النفس إلا باتصال الروح بالبدن.. يقول السهيلي: (الروح هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم) .

الحديث عن النفس يطول، وإنما أردنا بهذا المقال أن نطل على عالم النفس إطلالة تأخذ بأيدينا لمحاولة اكتشاف ذواتنا؛ إذ أنه لا قيمة لمن يحمل علمًا وهو يجهل نفسه، وهل يستقر العلم في نفس تجهل نفسها؟!، أم هل ينتفع به صاحبه؟!.

فالنفس هي معجزة الله الخالدة - بعد القرءان والله أعلم -؛ لذلك يقرن الله بينها وبين خلق الكون بقوله سبحانه: (خلق السموات والأرض في ستة أيام تعالى عما يشركون * خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) ، (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدًا) .

ما النفس إلا نفخة من روح الله، ولا أعلم بها منه: (الله أعلم بما في أنفسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا) ؛ فلا يطيب لها العيش، ولا تعذب لها الحياة إلا به سبحانه!!..

وإن نسيان النفس لربها ما هو إلا نسيان لها (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) !!..

والإنسان قد يغيب عن نفسه عندما يغيب عنه ذكر ربه، ويعود إليها عودة برجعة أو بغير رجعة؛ قال سبحانه: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) .

المجتمع هو الدولة والحضارة، ولقد اختار الله للنفس مجتمعًا راقيًا يضمن لها وجودًا يليق بها في حياة كريمة (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت