أ.د. ناصر بن سليمان العمر
إذا تأملت واقع الدعوة المعاصرة في العالم الإسلامي، وجدت أن بعض قيادات الدعاة حقًا -وللأسف- ليسو من أهل البصيرة، أعني البصيرة التي تخولهم قيادة شأن دعوة شاملة، وذلك خطر عظيم إذ هو تنكب لطريق محمد _صلى الله عليه وسلم_، قال الله _تعالى_:"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [يوسف:108] وقد اختلف المفسرون _رحمهم الله_ في قوله:"ومن اتبعني"على أي شيء عطفه، فقال بعضهم على قوله: (أنا) فعلى هذا أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به من العلماء دون من عداهم، وقيل بل هو عطف على الضمير المستتر في قوله: (أدعو) ، وعلى هذا كان أتباعه هم الدعاة إلى الله، قال ابن القيم _رحمه الله_:"والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون إلى الله" (1) ، وهذا هو الصواب.
وعلى هذا فلابد أن يكون قائدُ الناس السالكُ بهم طريق محمد _صلى الله عليه وسلم_ لابد أن يكون من أهل الدعوة والبصيرة، بل لابد أن يكون سالك كل سبيل داع إليها من أهل البصيرة بها، ولو أن رجلًا مبتدئًا في الطب أسند إليه بعضهم مهمة الإشراف على طاقم ضخم من المختصين وغيرهم، لعد ذلك ضلالًا وضربًا من توسيد الأمر إلى غير أهله، مع أن للرجل بصيرة ببعض الطب! وعلم بمبادئه، ومع ذلك لا يوصف: بأنه على بصيرة تخوله الإشراف على ذلك الجم الغفير من المختصين وغيرهم، وكذلك واقع الدعوة اليوم، فإنك إن نظرت وجدت كثيرًا من الدعاة المُبَرَّزين، بل من قيادات العمل الإسلامي من لم تكتمل لديهم البصيرة، بل ليست عندهم البصيرة الشرعية التي تؤهلهم للقيام بما هيئوا له، فهم ما تخصصوا في علم الشرعية وليس لهم مجلس علماء أعلى يصدرون عنه ويأتمرون بأمره، كشأن كثير من أهل الاستبداد المتحكمين، نعم قد يكون ذلك الرجل متخصصًا في أمور أخرى، وهو على خير وهدى وصلاح، ولكن مثله ليس أهلًا لأن يقود العمل الإسلامي؟
أويليق بطبيب حاذق أن يرأس فريقًا من المهندسين؟ وهل يناسب أن يرأس فريقًا من الجرَّاحين مهندس؟ وهل يحق لتربوي أن يرأس فريقًا من المتخصصين في الرياضيات الدقيقة أو في الفيزياء؟ عقلاء الناس كلهم يدركون أن هذا لايليق وإن كان فثم خلل، فكيف يسوغ إذًا أن يكون على رأس العمل الإسلامي والدعوة إلى الله _جل وعلا_ أناس ليسو من طلاب العلم المتخصصين؟
ولعل هذا سبب من أهم أسباب تأخر العمل الإسلامي، بل -وللأسف- فشل العمل الإسلامي في كثيرٍ من بلاد المسلمين، فإذا تأملت حالهم وجدت الذين يرأسون العمل ويوجِّهونه ويقومون بأمره ويتصدون لمعضلاته فيشيخون، أو يمنح لهم لقب الأستاذية، بل قد يكون لهم حق الطاعة في نظام الجماعة أو المؤسسة، إذا نظرت وجدتهم ليسو أهلًا لذلك، مع أنهم قد يكونون أخيارًا صالحين، يحبون الإسلام، يبذلون الغالي والنفيس من أجل رفعه، وكل هذا حسن، ولكنه لا يكفي إذا لم يكن صاحبه على مستوى من العلم الشرعي يؤهله لقيادة العمل، وياللعجب! كيف يسترذل الناس أن يقود الأطباء طبيب غير متخصص، ولا يسوغ عندهم أن يقود العسكريين إلا ضابطٌ متقدم ورتبةً ومكانة، ويأبون إلاّ أن يقود المهندسين مهندسٌ، فإذا جاء أمر الدين وسياسة الناس به ودعوتهم إليه رضوا باتخاذ رؤوس جهال! وعلى أحسن الأحوال ليسوا علماء.
لقد جبت الأرض وسافرت فرأيت في كثير من بلاد المسلمين أناسًا يقودون العمل الإسلامي وهم ليسوا أهلًا لذلك وللأسف، فإن وجدت لهم مجالس شرعية شورية وجدت فيها نفس العلة، وقل أن تجد فيهم العالم، فإذا وجد -ودنه خرط القتاد- وجدت دوره استشاري ورأيه غير ملزم، فهل حقًا تصدى أولاء للدعوة إلى الله؟ قد يقول لي قائل: ربما لم يجدوا إلا هذا، فليس عندهم عالم، وإن لم يكن إلا ذاك فلاشك أن من السياسة الشرعية تقديم الأكفأ فالأكفأ حسب الحاجة والطاقة والإمكان -كما قرر شيخ الإسلام في كتابه العظيم (السياسة الشرعية) بيد أنه يقال: أحقًا لا يمكن هؤلاء الظفر بمتخصص واحد في العلم الشرعي؟ لئن كان الجواب بنعم فإن في تلك الدعوة لإشكال، ولو فرض جدلًا أنه ما بها بأس ولكنه اندراس العلم في بلادهم أفلا يمكنهم أن يبعثوا نفرًا ليتفقهوا في الدين خلال خمس أو عشر سنين ثم يجيئون لقيادة العمل.
إنني لا أجد مسوغًا ظاهرًا لأن يبقى رجلٌ ليس من أهل العلم الشرعي يقود العمل والدعوة في بلد عشرين أو ثلاثين سنة أبدًا، ولاينبغي أن يسوغ ذلك مطلقًا، وكيف يسوغ أمر عاقبته وخيمة على الدعوة، هل يجوز لنا أن نتعامى عن الأخطاء التي تعرض في عملهم ولكم تأخرت بسببها الدعوة؟ وتلك نتيجة بدهية فلو أن رجلًا متخصصًا في الرياضيات قاد فريقًا من الأطباء في عملية جراحية يوجه هذا ويأمر ذاك، أو يرتجى بعدها شفاء؟
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبُه ... ...
نفوسًا نفيساتٍ إلى باطنِ الأرض