فهرس الكتاب

الصفحة 11687 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

كثير من الناس يشكون من ضيق الوقت وكثرة الأعمال ، ويقدم بعضهم أعذارًا يسوغون بها تقصيرهم في الوفاء بالأمانة المنوطة بهم في مختلف ميادين الحياة ، بالأمانة التي وضعها الله في أعناقهم والتي سيحاسبون عليهما يوم القيامة بين يدي العزيز الجبار .

كثيرون يسوغون عدم تلاوتهم لكتاب الله ، أو عدم تدبره ودراسته ، أو عدم دعوتهم الناس الى دين الله , الى الإيمان والتوحيد أو عدم النصح لهم , أو عدم تعهدهم بالتربية والبناء ، أو عدم البذل لدين الله ولدعوته في الأرض ، كثيرون يسوغون ذلك بأعذار يوهمون بها أنفسهم ، ويخدعون بها آخرين .

ويتناقض كثير من المسلمين في أعذارهم . فقد تلقى من يجد الوقت لنشاطه لدنياه ، للهوه ومتعته ، أو لنشاطه الحزبي وانشغاله بتكاليف لم تورث إلا الشحناء والبغضاء على غير طاعة الله ، أو لنشاطه في تجارته وجريه اللاهث وراء المال ، أو غير ذلك ، ثم يزعم أنه لا يجد وقتًا لتدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو لإتقان لغته ولغة دينه ، أو لدعوة الله في الأرض ، وأعجب من ذلك أنك قد تسأل أحدهم لم لا يقرأ القرآن ويتدبره ، فيقول إن شؤون الدعوة الإسلامية وكثرة أعبائها لم تدع لي وقتًا لذلك . فالعذر دائمًا هو ضيق الوقت على مزاعم متناقضة وأعذار واهية .

لقد غاب عن بال هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر الوقت وحدد تكاليف الأمانة ، ليكون الوقت كافيًا للإنسان ليؤدي أمانته التي خلق لها . والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل شيء وقدر كل شيء ، على حكمة بالغة . واستمع لآيات الله البينات:

{ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضًا حسنًا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } . [ المزمل: 20 ]

نعم ! { والله يقدر الليل والنهار } ثم حدد الله التكاليف هنا بصياغة ربانية عامة جاءت تفصيلاتها وأحكامها في سور أخرى وفي الأحاديث النبوية . وقد جاءت التكاليف العامة على النحو التالي:

1 ـ { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } بمعدل يحدده وسع الإنسان وما يتعرض له من مرض أو سعي في طلب الرزق أو قتال في سبيل الله . فهذا كله لا يعطل تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل به ، كل على قدر وسعه وطاقته ، ومسئوليته وأمانته . ثم جاءت السنة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصل ذلك . والتلاوة هنا في هذه الآية تعني التدبر والممارسة والتطبيق .

2 ـ { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } إقامة الشعائر كلها التي أمر الله بها وأشارت إليها الآية الكريمة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة . ثم جاءت التفصيلات لإقامة الشعائر في مناهج الله ـ قرآنا وسنه ـ كما جاءا باللغة العربية . والإقامة هنا تعني استكمال شروط الشعائر من أحكام وخشوع وصدق إيمان .

3 ـ { وأقرضوا الله قرضًا حسنًا … } وذلك بإنفاق المال على وجهه الذي أمر الله به ، وحمل رسالة الله إلى الناس وتعهدهم عليها وجمعهم على كلمة سواء دون تفرق وتمزق ، والجهاد في سبيل الله ، وغير ذلك من التكاليف المفصلة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وجاء مع هذا التكليف العام حث عليه وتشجيع: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرأ } .

4 ـ { … واستغفروا الله … } وهذه تتطلب محاسبة النفس ومراجعتها ، والوقفة وقفة إيمانية لمراجعة النهج والخطة والدرب والتأكد من سلامة ذلك برده إلى مناهج الله الذي يحافظ المسلم على تلاوته وتدبره . وكذلك تأتي تفصيلات التوبة والاستغفار ومحاسبة النفس ومراجعة المسيرة في مناهج الله ، حتى لا يبقى عذر لأحد في التقصير أو الإهمال أو النكوص ، ما دام البذل قائمًا ، كل في حدود وسعة وطاقته الصادقة التي سيحاسبه الله عليها:

{ ولا نكلف نفسًا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون }

[ المؤمنون: 62] .

واستمع إلى الآيات الكريمة التي توضح أن الله قدر كل شيء خلقه تقديرًا ربانيًا عادلًا متوازنًا ، وقدر التكاليف كذلك على أساس من ذلك:

{ إنا كل شيء خلقناه بقدر … } [ القمر: 49 ]

{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [ الحجر: 21]

{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار … } [ الرعد: 8 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت