د. لطف الله خوجه 13/1/1427
هما حدثان:
-نصرة المسلمين للنبي صلوات الله وسلامه عليه بعامة.
-وحرصهم على صيام تاسوعاء وعاشوراء بعامة.
كشفا عن: حب المسلمين لدينهم، ونبيهم.
ودلاّ على: تدينهم، وقربهم من الدين. وحرصهم على الخير والبر.
وأعطيا أملًا: أن جهد الصالحين والأخيار، لن يذهب سدى.
وأثبتا: خطأ من أساء الظن بالمسلمين، وحكم بهلاكهم، لما يرى من كثرة معاصيهم.
وحملا: على التساؤل: إذا كان هذا هو حب المسلمين لدينهم، ونبيهم: فلِمَ كثرت فيهم الشهوات المحرمة، حتى ضج العقلاء والأخيار من حال آلت إليه أمة الإسلام؟!
وأوجب: على العلماء والدعاة أن يتمثلوا الصدق في قولهم وعملهم، حتى لا يكونوا فتنة لغيرهم.
في الأيام المنصرمة وقع أمر عظيم، وعدوان كبير على المسلمين، لما تجرأت الصحف الدنمركية بنشر رسومات تسيء إلى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وقد وقع ما لم يكن في حساب الغرب والشرق: قام المسلمون بحملة استنكار شملت كل دول الإسلام.. هذا بقلمه.. وهذا بفكره.. وهذا بقوله.. وهؤلاء بمظاهرة.. ودول وحكومات بالتنديد وسحب السفراء.. والجميع بمقاطعة اقتصادية شاملة لجميع المنتجات الدنمركية.. وما زالت كل هذه سارية المفعول إلى هذا الوقت.
وقد حرك هذا القيام للمسلمين بنصرة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه: العالم كله.
حتى بابا الفاتيكان نفسه اعترض على هذه الرسومات، وكذا الأمين العام للأمم المتحدة، والرئيس الأمريكي، والرئيس الفرنسي، ووزير خارجية بريطانيا، وغيرهم، وباتت الدنمرك في وضع قلق لا تُحسد عليه، اضطر فيه رئيس تحرير الصحيفة إلى الاعتذار. ولا تزال الحكومة مترددة..!!
وفي اليومين الماضيين صام سواد المسلمين اليوم التاسع والعاشر من محرم، اتباعًا لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في صيام العاشر، وصيام التاسع معه مخالفة لليهود [مسلم] ، وأخبر أنه يوم تكفر فيه ذنوب سنة كاملة [الترمذي] ، وقد رأيتَ الناس فيه، وكأنه يوم من رمضان، من صيام الصغير والكبير، والشيخ والشاب، والمرأة والرجل، حتى العمال صاموه وهم يعملون في يوم مشمس حار، يطلبون الأجر والكفارة.
هذان الحدثان كشفا عن شيء مهم للغاية، ربما غفل عنه بعض الناس من العقلاء والأخيار، هو:
أن في الناس حبًا للدين كبير:
-فما مسارعتهم لنصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والذبّ عنه، إلا لحبهم دينهم.
-وما مسارعتهم لصيام يوم تطوعًا، دون فرض عليهم، إلا لحبهم دينهم.
وقد كان من الممكن أن يتقاعسوا.. قد كان من الممكن أن يقوم به قليلون، وينام كثيرون.. ولن يجدوا أحدًا يسوقهم بعصاه، أو يأطرهم أطرًا إلى البذل والتضحية والمسارعة.. لكنهم مع ذلك تحركوا، تحركوا بملء إرادتهم، ورغبتهم.. حركهم حب صحيح، وعاطفة صادقة.
فذلك دلّ دلالة واضحة على: أن المسلمين متدينون. فمن لم يكن التدين ظاهرًا عليه، فباطنه فيه خير كثير، وربما كان باطنه خيرًا من ظاهره، كما أن بعض الناس ظاهره خير من باطنه.
هذا الحدث دل على أن التدين ليس في الظاهر فحسب، بل الباطن كذلك، نعم تدين الظاهر مطلوب، وهو دليل على حب النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن تدين الباطن مطلوب كذلك، وهو الأول طلبًا. والأحسن والأقوم تدين الظاهر والباطن كليهما، حتى يكون ظاهر الإنسان مرآة باطنه، يشف ويُبين ما في نفسه وداخل قلبه، يراه الناس كما يرون ما وراء زجاج، كله صفاء ونقاء.
هذان الحدثان أعطيا أملًا، لكل ساعٍ في الإرشاد والنصح: أن جهده في هذه الأمة ليس بضائع، فالثمرة قريبة، متى حصل: الصدق، والإخلاص، والاجتماع.
فلو سألت أحدًا: هل كنت تتوقع مثل هذا الموقف العام من المسلمين، الشديد العاطفة والألم، والاستعداد لفعل أي شيء، ردًا على انتهاك عرض النبي صلى الله عليه وسلم؟
لقال لك: كنت أتوقع ردًا، وعاطفة، واستعدادًا، لكن ليس بهذا القدر والاجتماع.
ومثله: هل كنت تتوقع من المسلمين أن يتواطؤوا على صيام يوم عاشوراء، كما لو كان فرضًا؟
لقال لك: كنت أتوقع صيامهم، لكن ليس بهذا الكم.
لكن الذي حدث غيّر كل التوقعات، وقلب كل الحسابات، وبيّن أن المسلمين على خير كبير، وما فيهم من مخالفات ومعاصٍ هي ظاهرة مؤقتة، ليست أصيلة، يحتاجون إلى مواقف كهذه تستفز إيمانهم، وتستحث قلوبهم لفعل الخير. وما على الناصحين والعلماء والداعين للخير إلا البذل، ومعرفة طرائق تبليغ الدين للناس، ودلالتهم على الخير بأحسن الوسائل، ليجدوا بعدها كل استجابة من الناس.
فإذا لم يستجيبوا، وتقاعسوا، فليس بالضرورة أن يكون داء في الناس منعهم من الاستجابة، بل قد يكون الداء في طريقة: التبليغ، والإصلاح، والنصح. فالإخفاق إما من الملقي، أو من المتلقي.