الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
* لا تزال العواطف وردود الأفعال الجامحة تستحوذ على آراء فئام من الإسلاميين ومواقفهم تجاه القضايا المستجدات عمومًا، ومسألة التكفير خصوصًا.
فما إن نادى بعضهم بتكفير أعيان وأشخاص دون تحرير أو تحقيق لقيام الحجة من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، إذا بالطرف الآخر يقابل ذلك الإفراط بالتفريط والتمييع
فيصيح قائلًا: إن الشخص المعين لا يكفر حتى يقصد الكفر وينشرح صدره بالكفر، واحتجوا بقوله - تعالى: (( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم ) )النحل (106) .
وكلا الفريقين قد فاته من الصواب ما فاته، فالأولون لم يلتفتوا إلى عوارض الأهلية التي اعتبرها الشارع كالجهل أو التأويل أو الخطأ أو الإكراه، والآخرون أفرطوا وتوسعوا في تلك الأعذار، حتى أفضى ببعضهم إلى إغلاق باب الردة.
وأما احتجاجهم بالآية الكريمة فإنهم لم ينظروا إلى سياق الآية ومعناها؟ (( فإن من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا تناقض أول الآية وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعًا، فقد شرح بها صدرًا، وهي كفر، وقد دل على ذلك قوله - تعالى: (( ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ).
فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب )) الإيمان لابن تيمية ص 208 باختصار، وانظر الصارم المسلول (3/975) .
والمقصود أن الشخص إن لم يكن مكرهًا فقد انشرح صدره بالكفر.
* من المهم في هذا الموضوع أن تضبط الأوصاف وتحرر المصطلحات، فمن الظواهر المَرَضِية المعاصرة التنابز بالألقاب والتراشق بالتبديع كاتهام البعض بأنهم خوارج ووصف آخرين بالإرجاء والعبرة بالحقائق والدلائل، فلقد رمي الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - بأنه من الخوارج (انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية(التسعينية) (5/159) ومع ذلك فهو إمام أهل السنة، ومنهج أحمد أحمد منهج، واتهم عبد الله بن المبارك - رحمه الله - بالإرجاء (انظر عقيدة السلف للصابوني) وليس الأمر كذلك.
وقد تحدث الشاطبي - رحمه الله - عما يعانيه أهل العلم والاتباع من رميهم بالألقاب الشنيعة ثم قال: (فقلما تجد عالمًا مشهورًا أو فاضلًا مذكورًا، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها، لأن الهوى قد يدخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف) الاعتصام (1/29) .
ولذا يحتاج إلى ضبط هذه الأوصاف من جهة تحديد معناها وبيان مرادها، ومن جهة تنزيل هذه الأسماء أو الأوصاف على مستحقيها، فما أكثر الذين يرددون وصف الخوارج أو المرجئة وهم لا يفقهون معناها، وأكثر من هؤلاء من يُطلق تلك الأوصاف على أشخاص دون مراعاة لتحقيق المناط وضوابط التبديع.
*من الأخطاء التي ترتكب في معالجة هذه القضية أن يعمد البعض إلى تهويل طرف أو جانب في مسألة التكفير أو الإرجاء وفي مقابل ذلك يهون من الانحراف المقابل، ومسلك العدل والعلم يقتضي أن يعالج كل انحراف بحسبه دون تهويل أو تهوين، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
*ومن تلك الأخطاء أن يكون الغالب في علاج ظاهرة الغلو والتكفير استعمال الأسلوب الخطابي والاقتصار على التسفيه والتطفيف، واتهام أربابه بالسطحية والسذاجة، والتركيز على ما يكون ظاهر الفساد والبطلان كالقول بتكفير مرتكب الكبيرة - وقد لا تجد ظاهرًا في أولئك الغلاة.
وفي مقابل علاج ظاهرة الإرجاء يُعمد إلى رمي من تلبس بأدنى إرجاء بأنه يقول أنه لا يضر مع الإيمان معصية وأن الإرجاء دين الملوك، وليس الأمر بهذا التعميم والإطلاق، فالإمام أبو حنيفة - رحمه الله - مثلًا تلبس بشيء من الإرجاء لكنه لا يقول: (إن المؤمن لا تضره الذنوب وأيضًا موقفه من الملوك صارم) .
إن المتعين تجاه شبهات الفريقين واعتراضاتهم أن تذكر من مظانها ومصادرها ثم تنقض أصول هذا البدع ويُرد عليها بالدليل والبرهان.
*من الأمور الملحة في مسائل الإيمان والكفر أن نميز بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة وبين ما هو من مسائل الاجتهاد التي يسوغ الخلاف فيها.