فهرس الكتاب

الصفحة 16582 من 27345

إسماعيل محمد ربعي

كان علي يعشق الترحال ، ويحب الرحلات منذ أيام طفولته .. نما عوده واشتدّ ساعده .. ارتقى سلم العلم فلمع نجمه وكان تسبيحه على اللسان بالذكر الحسن والنجاح الباهر ، ما من أحد إلاّ واستنشق عبير أريجه ، تخرّج من الجامعة كأي طالب .. ولكن روح الطموح والسعي الجاد ، جعلته يغامر من جديد ويركب قطار السفر من بلد إلى بلد .. أمه بقلبها الحنون ذي الدفء العاطفي ، ما كانت تتركه لحظة دون أن تحيطه بزخات من الرضى والدعاء .. إنه ذو الوجه الحسن عند الجميع .

والده إمام مسجد صاحب صوت ندي وخطيب جهوري .. تعقد في بيته جلسات القضاء ، ويفك الخصوم ، ويخرج الجميع بالرضا .. فلا تثور حفيظة واحد عنده .. بل الكل يدعون له ولولده بالتوفيق.

علا علي كالطير يغرد في عنان السماء ويغوص في عباب البحر .. فضل ما تستجيب له نفسه .. قدّم الطلب ونال الموافقة وحمل الخبر لوالديه فكان وقعه وقع الصاعقة على أمه .. ولدي تتركني .. لا تدخل عليّ .. ستغيب عن وجهي .. من الذي أسمع صوته وهو يقرأ القرآن ؟؟ ويقوم الليل .. ستطفأ أنوار غرفتك .. أيهجر المطبخ الذي كنت أقضي أغلب وقتي فيه في إعداد الطعام لك ولأصدقائك ؟!! من لي بعد اليوم يسمعني بارك الله فيك يا عمتي على حسن صنيعك هذا الغداء أو كأس الشاي أو فنجان القهوة ..

تأخذ أحمد والدموع تنهمر من عينيها قائلة: لا أصدق أنك سوف تسافر يا ولدي .. ولكن سفرك اليوم بعيد .. بعيد جدًا .. أفي كل عام أو عامين لقاء ؟!! يا ولدي ابق هنا يكفيك القليل وعِشْ معنا وعلي يذرف الدمع ويقول: هي سنة الحياة يا أماه .. إنها رحلة العلم والعودة إن شاء الله .

الأم تتركه وتذهب إلى غرفتها ترتبها ثم تعود وإذا بها أشد بكاء فيقول لها علي: كفى يا والدتي رحمك الله .. تقبله وتسمع القول ثم تغادر إلى عملها .

إما الأب فيطلق حوقلات عدة فهو يملك القلب الذي يتّسع للصبر ويتحمّل الأثقال من الهموم .

وكلما مر يوم اقترب السفر .. إنه ركوب السيارة على المطار ثم الطائرة إلى بلاد الغرب .. بدأ الجيران يأتون إلى أم علي .. الكل يواسي ويهدّء من روعها .. فأمثالها كُثر لكن تربيتها در .. فهي الجوهرة المصونة ذات الأدب الرفيع والخلق القويم .. ما أحسن سيرتها عند جيرانها .. وأندى يديها فهي موج من العطاء وبشاشة وجه عند اللقاء .. خدر في حيائها .. كانت تكتم على أنفاسها وتكبح تأجج عواطفها .. وإذا خلت مع نفسها أرسلت الدمع مدرارًا .. كانت تمطر لؤلؤًا من نرجس .. وطالما سقت وردًا وتنهدت من الأعماق قائلة: يا علي .. علي يا ولدي .. أنت ستسافر وستتركني .. كان تعلقها بولدها تعلُّق الطفل الرضيع بأمه .

وفي يوم الإثنين كانت الطيور تهاجر فتقطع المسافات الطويلة عابرة القارات والمحيطات باحثة عن الدفء والغذاء .

لكن عليًا ما كانت رحلته بحثًا عن ماء أو غذاء .. بل رحلة علم ونماء .. اقتربت ساعة الصفر .. فهو يرتب في شنطه ويتفقد أمتعته ولا يدري ماذا يفعل .. في حيرة من أمره .. وإذا نظر إلى أمه تقطع قلبه من الوريد إلى الوريد .. وتصدّع رأسه .. أيظن أن عمله وسفره اغضبها وأسكب الدمع من عينيها .. صراع مع النفس .. إنه قرار اتخذه وأعدّ له عدّته .. فعليه أن يترجل ويستنهض الهمة ولا تخور قواه .. إنها فرصة العمر بالنسبة له في الخارج .

الجارات يشاركن أم علي أحاسيسها ساعة فراق ولدها .. لست أدري .. أمغيب شمس أم أفول نجم سيحدث .. لكن الشمس ستبزغ من جديد والنجم يلمع ساعة الظلام .. وبعد الليل النهار سفر ثم إياب .

بدأ هدير السيارة .. علي يبدأ في حمل الشنط والوالد يتكلم مع الجيران .. والكل يحمل عن علي المتاع .. ما أجمل سنابل القمح وهي تموج وترتد معًا .. عقل واحد بل جسد واحد وشعور واحد .. وعلي ينظر إلى خالاته وعماته وهن يقبّلْنه داعيات له بالتوفيق .. وعلي لا يملك أنفاسه وتنطلق الدموع من عينيه .. ويحاول الصبر قدر المستطاع .. لكن حر العاطفة فار مِرجل دمع العين فنزل دمعه مدرارًا ..

وما أن دار نظره إلى أمه إلاّ ورآها لا تحتمل الوقوف .. فسارع إليها واحتضنها وهي لا تملك من قواها شيئًا .. إنه حنان الأم وعاطفة الوالدين .. إنها وقفات المحبة والإخلاص .. ما أروع الصدق والإحساس النابع من القلب .. فكل بحار الدنيا لا تساوي دمعة أم على ابنها .. وأي ابن إن كان عليًا .

تتعلق به أمه .. لا تتركني يا ولدي .. ارتفع صوتها .. هدّأ من اشتعال عاطفتها .. حملتها جاراتها وابتعدن بها عن السيارة .

وما إن أدار السائق مقود السيارة وارتفع هديرها إلاّ والأم ترفع يديها كالآخرين مودعة .. في حفظ الله يا ولدي .. يحفظك الله يا ولدي .. لا تنس أمًا لك .. لا تنس قلبًا تعلّق بك .. لا تنس جنينًا حملْته في أحشائي وكان جزءً مني لحمًا في بطني .. دمًا في جسدي .. روحًا في بدني .. وفقك الله يا ولدي .. فأنا في انتظار سماع أخبارك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت