بركات محمد مراد
العمل ضروري لكسب المعيشة، وتحقيق المستهدفات الأخرى في الحياة، والعمل له أيضًا وظيفة اجتماعية ونفسية، فهو يسبغ على صاحبه قيمة معينة، ويساعده في تحقيق الذات، ويعطيه جملة من المشاعر الإيجابية نحو نفسه ونحو الآخرين. و في المجتمع العربي والإسلامي نجد الدين الإسلامي والتراث، ومختلف أدوات التنشئة من مناهج تعليمية وبرامج إعلامية وغيرها تحرض على العمل، وتدعو إلى احترامه.
ويعتبر العمل واجبًا إسلاميًا على كل فرد، حيث إن قواعد الإسلام، وسلوك الأنبياء والصالحين؛ تشير إلى وجوب العمل في مختلف أشكاله، فقد عرف الأنبياء عليهم السلام قيمة العمل على هذا النحو؛ حيث كان إدريس خياطًا، وزكريا بحارًا، وموسى أجيرًا، ومحمد تاجرًا مع عمه أبي طالب، ثم لحساب خديجة بنت خويلد قبل أن يتزوجها، وكذلك كان راعيًا للغنم صلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله. و لا يجوز لنا أن نستهين بأي مهنة أو حرفة مهما بدت ضئيلة القيمة؛ فإنها في النهاية لها أهميتها في حركة الحياة، ولا تستقيم الحياة بدونها، والتوجيه النبوي يقول:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (1) .
و العمل الذهني مثله مثل العمل العضلي، كلاهما ضروري لحركة الحياة، ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر. وقد كان أنبياء الله تعالى جميعًا يمارسون بعض الحرف وفي مقدمته: رعي الغنم، ولم يقلل ذلك من قيمتهم ومكانتهم؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" (2) .
وهنا يقول"ابن حجر العسقلاني"شارحًا:"وفي الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره، والحكمة في تخصيص داود بالذكر: أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض، كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل؛ ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد...إلخ" (3) .
وقال لقمان لابنه:"يا بني استعن بالكسب الحلال على الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط، إلا أصابته ثلاث خصال. رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث: استخفاف الناس به" (4) .
وقد عرف المسلمون هذا الأمر، فقال على بن أبي طالب رضي الله عنه:"قيمة كل امرئ ما يحسن" (5) . وقال ابن مناذر:"سألت أبا عمرو بن العلاء: متى يحسن المرء أن يتعلم؟ قال: ما دامت الدنيا تحسن به" (6) وقال الغزالي:"من العلوم الشرعية علوم محمودة، ترتبط بها مصالح أمور الدنيا كالطب، والحساب" (7) .
إن الإنسان كما أكدت دراسات الروح المعنوية في الصناعة، ودراسات الإشباع الاجتماعي المهني لا يعمل لمجرد الحصول على الأجر، أو لمجرد الحصول على الطعام والمأوى، وإنما بجوار ذلك الهدف فهو يعمل لإشباع مجموعة من الحاجات، كالحاجة إلى الأمن، والاحترام، والتقدير، والحاجة الفسيولوجية، والحاجة إلى تحقيق الذات وسعادتها.
إن الإنسانية ممثلة بمجتمعاتها المختلفة خلال تاريخها كانت تعيش أغلب حياتها بلغة العمل، وكان علماء الآثار يقيسون مدى التطور الذي بلغه الإنسان الأول بالفحص الدقيق لأدواته البدائية المكتشفة، وعلماء الأجناس والأنثربولوجيين يستعينون بالعلاقات المختلفة للمجتمع بالعمل لتحديد أوجه التباين في المميزات الثقافية لمجموعة مختارة من البشر (8) .
العمل بين الإسلام والتراث الغربي:
إذا كانت مهمة الإنسان في هذه الحياة هي إعمار الأرض، كما قال الله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها 61) {هود: 61} ، فإن ذلك لن يتحقق إلا بالعمل من أجل البلوغ إلى تحقيق الهدف، فالحياة بلا عمل موات، والإنسان قد أعطاه الله تعالى من القوى والطاقات ما يجعله قادرًا على قيادة سفينة الحياة بالعمل الجاد المنتج الذي يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم.
ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالعمل اهتمامًا بالغًا: فالإسلام يربط بشكل مستمر بين الإيمان والعمل الصالح، وهذا العمل الصالح يعني كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته ويقصد من ورائها وجه الله تعالى، ونفع الناس، ودفع الأذى عنهم، وجلب المصالح والمنافع لذاته، ولأهله، ولكل من هو مسئول عنه. وكل عمل يشتمل على ذلك فإنه يندرج أيضًا تحت مفهومي العبادة والتقوى.
وآيات القرآن الكريم التي تشتمل على الربط بين الإيمان والعمل الصالح كثيرة، وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى:"ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في الصدر وصدقه العمل، وإن قومًا غرتهم الأماني، وقالوا نحسن الظن بالله، وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل" (9) .