فهرس الكتاب

الصفحة 10062 من 27345

الكبيرة تجر إلى ما هو أكبر ...

كثيرًا تلك القصص التي نسمعها وتهتز لها نفوسنا ، فكم من قصة مؤثرة احتار العقل أمام أبطال أحداثها ، بل منها ما يشك العاقل بآدمية أصحابها لفظاعة الموقف التي تقشعر منه الأبدان ، وتشيب لهوله الولدان ، إلا أن أحداث قصتنا هذه مغايرة لكل القصص التي سمعت، إذ يعتقد السامع لها أنها قصة من وحي الخيال ، فإن أحداثها تكاد لا تخطر على قلب بشر يعرف ماهية الحياة خيرها وشرها، لكنها قصة واقعية حصلت على مسمع ومرأى كثير من الناس وتتلخص أحداثها فيما يلي:

بينما كان الطفل الذي لم يبلغ سبع سنين من عمره يلعب مع أصحابه في غيابة كاملة عن أولئك الوحوش البشرية ، يلعبون وبراءة الطفولة تحجب عن أذهانهم أطماع البائسين ، واستغلال الذئاب البشرية التي تنهش لحوم الأبرياء والضعفاء من غير رحمة أو شفقة ، إذ يعتزل هذا الطفل البريء أصحابه ، ويمضي على قارعة الطريق وحيدًا يردد تلك الأغنيات الجميلة التي جعلته يحسن الثقة بمن حوله من الناس خاصة أقرباءه وجيرانه وأهل حارته ،إذ يقف رجل يبلغ السابعة والخمسين من عمره بسيارته جانب الطفل ويطلب منه الصعود إلى السيارة ، ينظر الطفل إلى هذا الرجل ذي الابتسامة العريضة ، ويمتلئ فرحًا برؤيته ، إنه جاره العزيز المحب للخير وأهله ، فهو بمنزلة أبيه إن لم يكن جده ، يصعد الطفل إلى السيارة بكل فرح وثقة وثبات ، دون أن يخطر بباله الخبث العظيم الذي يخبئه له ذلك الرجل اللئيم ميت القلب ، بل حقيقة لا أجد كلامًا مناسبًا أعبر به عن وحشية ذلك الرجل الشرير ، يصعد الطفل السيارة وقد ملء القلب بهجة وسرورًا ، كيف لا وهو يصاحب رجلًا عزيزًا على قلبه يصاحب جاره ، وصاحب أبيه ، يصعد الطفل إلى السيارة ثم ينظر الرجل يمينًا ويسارًا هل من أحد يراه ، ثم يطمئن أن لا أحد ، ينطلق بسيارته التي جمعت براءة الطفولة والنية الصادقة ، والخبث والخساءة والدناءة ، تنطلق السيارة بعيدًا عن أعين الناس ، تنطلق إلى حرش كبير تسهل فيه الرذيلة ، وتنقطع فيه الفضيلة ، تقف السيارة ويخرج الرجل الشرير منها طالبًا من الطفل النزول ، ينزل الطفل من السيارة متسائلا أين أنا؟ ما هذا المكان الموحش؟ لماذا جاء بي هذا الرجل إلى هنا؟ أسئلة كثيرة تدور في خلد الطفل ، لكنه لم يصل إلى حقيقة مراد ذلك الرجل الأثيم ، وبينما كان الطفل يجول بفكره مستغربًا الأمر ، إذ سمع صوتًا أفظع من صوت الرعد في الليلية المطيرة ، صوتًا كأنما يزلزل الأرض لهوله ، صوتًا أذهل الطفل وأبدل سروره حزنًا ، وأمنه خوفًا ، صوتًا يحمل أدنى دركات الحقارة والخبث ، يقول له: اخلع ثيابك ، الطفل ولمَ يا عم ؟ اخلع هيا لا تضيع الوقت ، الطفل يتوسل: أرجوك يا عماه أرجوك خذ بي إلى أمي ، اخلع قلت لك لا وقت لدي هيا اخلع ثيابك واقفل فمك ، الطفل يصيح ويصيح يستنجد ويستنجد ولكن لا حياة لمن ينادي ، الرجل الشرير يأخذ يضرب بالطفل البريء ويمزق عليه ثيابه حتى أصبح الطفل عاريًا لا ثوب يستره ، ولا قلب يشفق عليه، وهكذا يستلقي الطفل في أحضان هذا الرجل العجوز الذي لم يرقب فيه إلًا ولا ذمة ، يستلقي في أحضان هذا الرجل البشع ولا يعلم أيصيح من شدة الألم ، أم يرتجف من شدة الخوف ، ولكنه لا زال يهاتف الرجل: أرجوك يا عماه ، أتوسل إليك أعدني إلى أمي أرجوك يا سيدي أرجوك كفى ، إلا أن ذلك الرجل البشع يواصل جريمته النكراء غير مبال بتلك الاستنجادات الضعيفة التي تخرج من فم طفل بريء لا ذنب له إلا أنه أطاع رجلًا حقيرًا بل في أدنى دركات الحقارة ، ولم يستفق ذلك الرجل إلا على حرارة الدماء التي تسيل من دبر الطفل كأنها سيل ، يستفيق الرجل ويحتار في الأمر ماذا يفعل ، يأخذ يطبب الطفل عسى الدماء أن تنقطع ولكن سيل الدماء أعظم من تلك المحاولات البائسة ، ماذا يصنع الرجل ليخفي جريمته ، فقد كاد يفضح أمره ، يفكر الرجل ، فلا يجد إلا أن يرضخ رأس الطفل في صخرة قريبة منه ليتخلص من الطفل إلى الأبد ، وهكذا ترتقي روح الطفل إلى بارئها ، يموت الطفل بأبشع جريمة عرفتها البشرية ، يموت الطفل ويبقى مسجى في ذلك الحرش دون رفاق ، ويذهب الرجل الشرير إلى حاله ، وفي المساء يزداد قلب الأم لوعة وخوفًا على طفلها تصرخ بالأب: أين ابنك ؟اذهب وابحث عنه ، الأب حائرًا أين طفلي ؟ أين ذهب ؟ لا جواب ، يخرج الأب من منزله حائرًا لا يعرف ماذا يفعل ، أين يبحث عن طفله ؟ من يسأل ؟ وإذا به بذلك الرجل الشرير ، يقول له الرجل: ماذا بك ؟ أراك قلقًا .

الأب: نعم: لقد تأخر طفلي كثيرًا وأصبحت وأمه قلقين عليه .

الرجل الشرير: وهل من عادة طفلك التأخر إلى هذا الوقت ؟

الأب: كلا طبعًا ، إنها المرة الأولى ولذلك أنا قلق عليه .

الرجل الشرير ، لعله عند أحد أقاربه ؟

الأب: ربما.

الرجل الشرير: ما رأيك أن نذهب معًا بسيارتي للبحث عنه ؟

الأب: ولكن أخاف أن أثقل عليك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت