الدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود
إن مصدر السلف الصالح في التلقي في العقيدة هو الكتاب والسنة والإجماع.
أ- القرآن الكريم
وهو اسم لكلام الله - تعالى -المنزل على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - المتعبد بتلاوته- وهو ما بين دفتي المصحف- المفتتح بقوله - تعالى: (( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) )والمختوم بقوله: (( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) ).
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه - تعالى -بدأ فهو الذي تكلم به وأوحاه إلى عبده. وإليه يعود ويرفع- في آخر الزمان- كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وهذا القرآن معجزة كبرى من معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - الدالة على نبوته. وقد تحدى الله المخالفين أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، أو بآية أو حديث من مثله. فعجزوا على شدة عداوتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللإسلام، وسيبقون عاجزين.
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم، على أمرين:
أحدهما: أن هذا القرآن قد - حفظه الله - تعالى -من الزيادة والنقصان: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )لهذا، فقد وصل إلينا متواترًا.
الثاني: الإجماع على المصحف والخط العثماني، وأن شرط القراءة- بعد ثبوتها وتواترها- أن تكون موافقة للرسم العثماني.
وعلى ذلك فقد أجمعوا على أن من أنكر حرفًا من كتاب الله - تعالى - مجمعًا عليه فهو كافر، خارج عن دائرة الإسلام.
وهنا يلحظ ما للقرآن من أسماء، فهو قرآن، وكتاب، وذكر، وبيان، ونور، وروح، وفر قان، وبرهان...إلخ، ولكن أشهرها:
* أنه قرآن: وهذا إشارة إلى أنه يتلقى عن طريق القراءة.
* وأنه كتاب: فهو مكتوب، ولذا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكتابته وحده دون غيره في أول الإسلام، ثم صار لا يقبل إلا ما وافق الخط والرسم العثماني.
ولما كان القرآن- من ناحية الثبوت والقطعية- بهذه المثابة عند جميع المسلمين، استقر عند المسلمين:
ا- الاستدلال به، والثقة المطلقة بكل ما جاء به، من أحكام، أو أخبار- سابقة أو لاحقة-ولهذا أمر الله بتدبره فقال: (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) ).
2-يقينهم بحفظ هذا القرآن، ومن ثمَّ فهو لم ينزل لفترة زمنية معينة يعالج أوضاعها، ثم انتهت، بل يؤمنون أنه هداية ومنهج تشريع إلى قيام الساعة، وكل آية نزلت بسبب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
3 -أن هذا القرآن جمع بين وصفين عظيمين:
* أنه ذكر للمؤمنين وللكفار لتقوم عليهم الحجة، قال - تعالى: (( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون ) )
* أنَّه مبارك: (( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) )ومن ثم فلا مقارنة بين صفحة من القرآن، وركام من آلاف الكتب.
4-أن هذا القرآن- منهج حياة- ومن ثم فقد أنزل ليحقق مقاصد عظمى للأمة الإسلامية، حين تعتصم بحبل الله المتين ونوره المبين وصراطه المستقيم.
ومن ذلك:
* الدعوة إلى الإيمان بالله وعبوديته وحده لا شريك له.
* الهداية العامة في الدنيا والآخرة، للفرد وللأسرة والمجتمع.
* ربط الأحكام الشرعية على مختلف متعلقاتها، بالعقيدة. وهذا واضح في منهج القرآن، قارن بالقوانين التي ترتبط الناس بأصول القوانين المادية والبشرية فقط.
* بيان أن معركة الإسلام، ومعركة الأمة الإسلامية مع أعدائها، هي معركة العقيدة.
* بيان سبيل المجرمين. (( وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين ) )َ و- بيان قيمة كل من الدنيا والآخرة، وربط الأولى بالثانية في حياة الأمة.
* التأكيد على طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتحاكم إلى ما جاء به، وأن ما جاء به وحي من الله - تعالى -، سواء كان قرآنًا أو سنة.
* أن هذا القرآن كله محكم متقن. وأن ما قد يشتبه على بعض القاصرين في فهم القرآن وتفسيره عليهم أن يردوا المتشابه إلى المحكم، فهو متشابه عندهم فقط. أما من رسخ في هذا القرآن فلا يشتبه عليه، وغير ذلك.
هذا ما كان مستقرًا لدى الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح- رحمهم الله - تعالى-ولكن- ويا للأسف- إن المتأمل في أحوال الأمة الإسلامية اليوم، يرى أنواعًا من الخلل، قد وقع في تعاملها مع هذا القرآن، ولكن ذلك على درجات:
1-فأعلاها وأخبثها، من يزعم أن هذا القرآن محرف أو ناقص، وهذا مذهب الرا فضة وبعض هؤلاء ينكر تحريف القرآن، ولكن:
* التقية دينهم، ولما كان إنكار حرف من القرآن كفر فالتقية واجب أمام من عداهم من المسلمين.
* موقفهم من الصحابة. فهل يعقل أن يقال عن الذين ارتدوا إن جمعهم للقرآن كان صحيحًا.
2-وطائفة قريبة من هؤلاء، بل هي منهم، تأولوا القرآن تأويلات باطنية:
* (( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) )قالوا: هي عائشة.