يتناول الدرس قضية مهمة وهي قضية المعاهدات والتحالفات مع أهل الباطل، فبين علو الإسلام على ذلك وأنه ما كان الإسلام في يوم من الأيام ليستعين بالباطل لنصرته، ولا بأعداء الله لرفع كلمته، ولا بالظالمين لرفعته، فالإيمان لا يرتفع إلا بالحق، ولا تقوم دولته إلا على أيدي أبنائه الصادقين بدعوته، وأوضح ضوابط المعاهدات التي حدثت بين الإسلام وغير المسلمين مما يختلف عما يدعو إليه ضعفاء النظر والعقول في هذه الفترات .
ما كان الإسلام في يوم من الأيام ليستعين بالباطل لنصرته، ولا بأعداء الله لرفع كلمته، ولا بالظالمين لرفعته، فالإيمان لا يرتفع إلا بالحق، ولا تقوم دولته إلا على أيدي أبنائه الصادقين بدعوته، المخلصين لله .
ولم يُفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره وقد وجد أن قريشًا قد نابذته العداء، ووقفت في وجه دعوته، وحالت بينه وبين الناس، لم يُفكر أبدًا في أن يستفيد من الخلافات القائمة بين القبائل، ولا من العداوات الناشئة بين المدن، ولا من المنافسات الموجودة بين الرجال لينهض بدعوته، ويُنشئ دولته، وإنما انكفأ على نفسه مع المؤمنين الذين صدقوه يُعلمهم، ويدعو سرًا، وتحمّل وتحمّلوا، وصبر وصبروا، وضحّى وضحّوا حتى أيّد الله دينه، ونصر عبده.
لم يُفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُثير بني عبد مناف- وهو منهم- على غيرهم من البطون القرشية، وينتصر بهم، وينشر دعوته بين بني عبد منافٍ، من بني هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.
ولم يفكر أبدًا أن يثير عمه أبا لهب عبد العزى بن عبد المطلب على الوليد بن المغيرة المخزومي، أو على أمية بن خلف ورءوس الكفر الآخرين، وينتصر بأبي لهب، ويسمو بين عشيرته الأقربين.
ولم يخطر على باله أن يلجأ إلى بعض القبائل التي بينها وبين قريش عداوات أو ثارات، ويجمع القبائل ويغزو قريشًا، ويلزمها أن تدين له وتخضع، بعد أن ذاق منها وأصحابه ما ذاقوا من العذاب والأذى.
ولم يخطر على باله أن ينتقل إلى يثرب- وهي كمكة على الكفر- ويبعث الخلاف ويُقاتل مشركين بمشركين، ولكنه انتقل إلى يثرب، وقد غدا اسمها:المدينة، لما أسلم بعض أهلها، وقاتل بهم مشركيها ومشركي أم القرى حتى نصره الله، وأقام دولة الإسلام، وحطّم الأصنام، وأذلّ الشرك.
إن الإسلام دعوة مُتميزة لا تقبل الانتصار بالشرك أو بالكفر، وأعداء الله من مشركين وكفار:
وفي الجاهلية كانت هناك أحلاف بين الأوس وبين بني قريظة من يهود، كما كانت بين الخزرج وبين بني قينقاع وبين النضير من يهود، فلما جاء الإسلام قضى على هذه الأحلاف، وقطع تلك الأواصر فكان المسلمون أمة واحدة من مهاجرين، وأوس، وخزرج، وآخرين من القبائل الأخرى تجمعهم كلهم رابطة الإسلام، وتربطهم جميعًا:'لا إله إلا الله، محمد رسول الله'.
يمكن أن يكون بين المسلمين وغيرهم موادعة، أي: لا يخون أحدهم الآخر، ولا يعتدي بعضهم على بعض، وقد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة ليكون أهل المدينة جميعًا ضدّ من تسوّل له نفسه بغزو المدينة، وحتى لا يأتي الأعداء من خارج المدينة، ويعتمدوا على اليهود، ويكون المسلمون بين شقي الرحى: الأعداء من الخارج، واليهود من الداخل، وهذا ما حدث في غزوة الخندق، فعندما رجع الأحزاب عن المدينة عُدّ اتفاق اليهود مع الأحزاب خيانةً للمسلمين، وساروا إليهم وأوقعوا فيهم تلك الوقعة المعروفة بـ [غزوة بني قريظة] .. وكذلك عندما خان بنو قينقاع من يهود السملمين بعد معركة بدر أخرج بنو قينقاع من المدينة، ورحّلوا عنها فساروا إلى خيبر، ووادي القرى، والشام.. ولما خان بنو النضير المسلمين بعد معركة أحد أخرجوا من المدينة، وأجلوا عنها فانطلقوا إلى خيبر، ووادي القرى، والشام.