إن الحمدَ للهِ، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيّئاتِ أَعمالِنا، من يهده اللهُ فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هاديَ له.
وأَشهدُ أن لا إِله إِلا الله، وأَشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسولُه، أَمّا بعد:
كرة القدم، وما أَدراك ما كرةُ القدم ؟ إِنّها الهوسُ المتسلّطُ على عقولِ الأَجيالِ في العصرِ الحديثِ. من أَجلها تقامُ المعاركُ، وتنشبُ الحروبُ، وتموتُ الضحايا، ولأجلِها تُطَلَّقُ الزوجاتُ، وتُقَطَّعُ أَواصرُ القُرباتِ، ويطعنُ الأَخُ بالسكينِ أَخاه... !!
ويومَ تقامَ مباراةٌ بين فريقين لامعين، فكأنَّ الحربَ الضروسَ قد أُعلنت، ورفعت لها الراياتُ، وانبرت لها الإذاعاتُ، وهُيّئت لها الشاشاتُ،وأَعدَّ المشجعونَ لها الأحجارَ، والسكاكين، والطبولَ، والمزاميرَ، والأَناشيدَ الجماعيّةَّ،والهتافاتِ القويّة !
وما أَن تنجليَ المعركةُ الحاميةُ عن هزيمةِ أَحدِ الفريقين، حتّى ينتقلَ ميدانُ المعركةِ من ساحةِ الملعبِ، ليكونَ ميدانُها في البيوتِ، والمدارسِ، والدواوين، ومكاتبِ الموظفين، والمقاهي، وعلى المصاطب والمنتديات، وتسفرُ المعركةُ أخيرًا عن سقوطِ ضحايا من الجانبين.وما أَن تهدأَ حدتُها، وتنجلي غمرتها، حتّى تبدأ َمعركةٌ أُخرى بمباراةٍ ثانية..وهلمّ جرّا. وإِذا رفعت صوت العقل لتناقشَ أَحدَ هؤلاءِ المصابين بالهوسِ الكروي، قال لك بملءِ شدقيه: (إِنّني رياضي) !!
فإن من المصائب التي أصابت أمة الإسلام، مصيبة الافتتان بكرة القدم، أخذوها عن غيرهم، من غير ضوابط، ولا عرض على ميزان الشرع، ولا نظر إلى المصلحة والمفسدة، فتأثروا بها منذ زمن، رُبِّيَ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، ومات من أجلها الكثير، ورُصد لها مليارات الدولارات، ووسائل إعلام، وجامعات وطائرات، ومعسكرات وفضائيات واتحادات، وحافلات وسيارات ومدربين، وغير ذلك من الوسائل. وأصبح هذا قاسما مشتركا بين بعض الدول الإسلامية مع غيرهم، وللأسف فإن المسلمين في أشد الحاجة لتحسين اقتصاد بلدانهم، فضلًا عن جهلهم بدين الله، تجد المسلم يحفظ الأندية واللاعبين ووقت المباريات، ولا يحسن قراءةَ الفاتحةِ، وخير شاهد واقعُ بعضِ المسلمين اليوم.
* أهمية هذه اللعبة
تعتبرُ كرة القدم أوسعَ وأَفضلَ رياضةٍ شعبيّةٍ في العالم، وقد بدأَ انتشارُها بعد الحربِ العالميّة الثانية، ومنذُ ذلك الوقت أَصبحت هذه اللعبةُ ظاهرةً اجتماعيّةً، كما أَصبحَ أَبطالُها من أَلمعِ (نجومِ) !! المجتمع، وأَكثرِهم شهرةً ودخلًا.
وتحظى هذه اللعبةُ في جميع بلاد العالم ـ هذه الأَيام ـ بمزيدٍ من العناية والاهتمام بحيث لا تزاحمها القضايا المصيريّة !! وأَصبحت ـ مع ما في الساحةِ العالميّة من أَحداث جسام ـ قصةَ خداعِ الجماهير خداعًا كاملًا على جميعِ المستويات، فنرى تفاعلَهم مع المبارياتِ على وجهٍ أَشدَّ وأَكثر من تفاعِلهم مع مصير بعضِ الشعوبِ الإسلاميّةِ في سائرِ القارات، ويزيدُ هذا التفاعلَ عنايةُ الجرائدِ والمجلات، وبثُّ المباريات على (الشاشات) ، ونشرُ ما يخصُّ (الأَندية) و (الأَبطال) !! من أَخبار وحكايات تجذبِ النَّاسِ.
وساعدَ على ذلك الفراغُ ونسيان الغايةَ التي خُلقوا من أَجلِها، والهدفَ الّذي ينبغي أَن يعملوا لتحقيقه: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}
ومن العجيب أن هذه اللعبةُ لا يمارسها ـ فعليٌّا ـ إِلا القليلون، ولكن الكثيرين يتابعونها على وجهٍ مشين.
* لمحة عن تاريخ كرة القدم
يقالُ إنَّ منشأَ هذه اللعبِةِ هو بلادُ الصين، إِذ أنَّ ثمة رياضةً تشبهُ كرةَ القدمِ تحملُ اسمَ: (تسو ـ تشو) في القرنين الرابعِ والثالثِ قبل الميلاد، وفي إِيطاليا كانوا يلعبونَ كرةَ القدمِ تحت اسمِ (كالسيو) سنة 1410، وكانت أُولى الإشارات الواضحة لممارسةِ هذه اللعبةِ في إِنجلترا على إِثرِ موتِ حارسِ مرمًى مفاجئ بتاريخ 23 شباط 1585.
وفي عام 1863 تأسست في بريطانيا (جمعيّة كرة القدم البريطانيّة) وظلَّ الإنجليزُ زهاءَ 70 عامًا حتّى سنة 1930 سادةَ هذه اللعبةِ، يتغلبونَ على الفرقِ الأَقلّ خبرةً منهم، وبعد ذلك بدأت فرقُ أَميركا اللاتينيّة تظهرُ تفوقَها على الفرق البريطانيّة وغيرها.
واليوم هناكَ أكثرُ من 130 دولة أَعضاء في الاتحادِ العالمي لفرق كرةِ القدم، وتجري في معظمِ المدنِ الأُوروبيّة مراهناتٌ أُسبوعيّة لنتائجِ مبارياتِ فرقِ كرةِ القدمِ باسم (تو تو) ، تذهبُ إِيراداتها الضخمةُ لصالحِ المتراهنين الفائزين والمؤسساتِ الرياضيّة.