فهرس الكتاب

الصفحة 14667 من 27345

( خطبتا الجمعة في مسجد دَبلِن بإيرلندا اليوم الثاني من شوال 1423 هـ الموافق للسادس من ديسمبر ـ كانون الأوّل ـ 2002 م )

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدًا عبده و رسوله .

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتنَّ إلا و أنتم مسلمون } [ آل عمران: 102 ] .

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بثَّ منهما رجالًا كثيرًا و نساء ، و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا } [ النساء: 1 ] .

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم - و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا } [ الأحزاب:70،71 ] .

أمّا بعد فيا عباد الله !

أوصيكم و نفسي بتقوى الله العظيم و طاعته ، و أحذّركم و بال عصيانه و مخالفة أمره ، و أذكركم و نفسي بحقوقه و حقوق خلقه ، التي افترَضَها الله تعالى في كتابه و على لسان نبيه .

إن ديننا الذي ارتضاه الله تعالى لنا منهجًاَ رَشدًا يجمع بين الحقوق و الواجبات ، و لا يذهب فيه سدى شيء من الصالحات ، و لا ريب في أن الحقوق تجب على العباد بإيجاب الشارع الحكيم ، أما في حقه تعالى فلا شيئ يجب عليه إلا ما أوجبه على نفسه تفضلًا منه و منة .

و من جوامع الكلم و فصل الخطاب في بيان مجمل الحقوق و أوجب الواجبات ما رواه الشيخان و غيرهما و اللفظ لمسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف رسول الله صبى الله عليه وسلم ليس بيني و بينه إلا مؤخرة الرحل فقال: ( يا معاذ بن جبل ) ، قلت ُ: لبيك رسول الله صبى الله عليه وسلم و سعديك ، ثم سار ساعة ثم قال: ( يا معاذ بن جبل ) قلت ُ: لبيك رسول الله صبى الله عليه وسلم و سعديك ، ثم سار ساعة ثم قال: ( يا معاذ بن جبل ) ، قلت ُ: لبيك رسول الله صبى الله عليه وسلم و سعديك ، قال: ( هل تدري ما حق الله على العباد ؟) قال: قلت: الله و رسوله أعلم ، قال: ( حق الله على العباد أن يعبدوه و لا يُشركوا به شيئًا ) ، ثم سار ساعة ، فقال: ( يا معاذ ) قلتُ: لبيك رسول الله صبى الله عليه وسلم و سعديك ، قال: ( هل تدرري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ ) قلت: الله و رسوله أعلم ، قال: ( أن لا يُعذبَهُم ) .

الناس ما عقَلوا لله عباد *** حتى و إن جهلوا يومًا و إن حادوا

يحدوهمُ أملٌ في نيل مغفرة *** في يوم محشرهم لله إن عادوا

ما دام مرتكزًا إفراد بارئهم *** في أصل فطرتهم و الدين توحيدُ

عباد الله !

إن توحيد الله تعالى بما أوجب توحيده به من أفعاله و أسمائه و صفاته و عبادة خلقه أوجب الواجبات ، و أهم المهمات التي عليها مدار الفوز و النجاة ، في الحياة و بعد الممات ، و لهذا كثر النكير على من وقع في الشرك المنافي لتوحيد رب البريات ، و آذن الله تعالى المشركين بالإياس من المغفرة و دخول الجنات .

قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا } [ النساء: 116 ] .

و من عدله المطلَق سبحانه و تعالى أن لا يُضيع شيئًا من حقوق العباد حتى يقتص لصاحبها أو يرضيه برفع درجاته أو تكفير سيئاته ، فما ربك بظلام للعبيد ، و لا يرضى الظلم بين العبيد ، بل يقول لمن دعا على ظالمه: ( و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين ) كما روينا بإسناد حسن عن خير البشر .

فإن برئت ذمتك من التفريط في جنب الله ، و سلمت من الوقوع في الشرك بالله ، فحذار حذار من الاستطالة في حقوق العباد أو التقصير فيما أوجب الله عليك صرفه لهم ، فإنك موقوف و محاسَبٌ عن كل اقتراف ، أو مجانبة للحق و الإنصاف .

روي في المسند عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صبى الله عليه وسلم قال: ( الدواوين عند الله عز و جل ثلاثة ؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئًا ، و ديوانٌ لا يترك الله منه شيئًا ، و ديوانٌٌ لا يغفره الله ؛ فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله ، قال الله عز و جل: و من يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة . و أما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسَه فيما بينه و بين ربه ، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها ، فإن الله عز و جل يغفر ذلك و يتجاوز إن شاء ، و أما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظُلمُ العباد بعضَهم بعضًا: القصاص لا محالة ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت