كتبه الشيخ عبد القادر الخطيب الحسني
يشكك كثير من المشتغلين بالعلم والدعوة في الإسلام فضلًا عن جمهور الناس ، في جدوى النقد العلمي وفائدته ، ويرى بعضهم أن عمل الناقد تطفّلٌ على الإبداع وميادينه بدلًا من أن يأتي بشيء جديد ينبثق عن فكر ثاقب وعلم واسع .
ويرى آخرون أن الطريق الأمثل لتصحيح الفكر مما يمكن أن يكون قد استولى عليه من الآراء الساقطة والأفكار الباطلة هو أن يدلي الناقد بدلوه في الموضوع الذي يرى ضرورة نقده وتزييف الباطل الذي بثه غيره فيه من الكتّاب والخطباء والشّعراء والمحاضرين والمدرسين عمدًا كان ذلك أم سهوًا من غير تعرضٍ للفكرة الباطلة وقائلها والبرهان على خطئه أو ضلاله فيها ، وذلك بناءً على أن الباطل لا يثبت أمام الحق ، وأن الصواب يرفع الخطأ على حدّ قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) [الإسراء: 81]
ويعتقد عدد من أصحاب هذا المبدأ الفكرة القائلة بأن الناقد الذي يتعرض لتزييف الأقوال وتخطئة قائليها صراحة أو إشارة إنما يشارك في حقيقة الأمر في بث الفكرة التي ينقدها ، وتبليغها لمن لم يسمع بها عن طريق الإثارة والشهرة وهذان هما العامل الأكبر في انتشار أي رأي لدى سواد الناس ، وأحيانًا عن طريق حفظ القول الباطل على مدى السنين المتعاقبة ، وربما العقود والقرون عندما تنقرض الأفكار الضالة ومعتنقوها وما خطته أقلامهم للإعراب عن حقيقة المبدأ الذي يروّجون له ، وتبقى الكتب التي تعرضت لتلك الأقوال بالنقد والتجريح مصدرًا محفوظًا لها ، إذ لابد مع التعرض لنقد أيّ قول من ذكره وبيانه أولًا ، وذكر حجج قائليه وردهم على مخالفيهم ثانيًا ، ومن الأمثلة على ذلك كثير من المقالات التي صرحت بها بعض الفرق الإسلامية وردّ عليها المتكلمون وفنّدوا حججها وشبهها وذكروا ذلك في كتب العقائد والكلام ، التي ما يزال كثير منها يدرس حتى الآن بعد مئات السنين من انقراض أصحاب تلك الأقوال .
وإن الناظر في كلام هذا الفريق يدرك وجه الحجة في طرف من كلامهم ، ولكننا عند التحقيق في المسألة من جميع وجوهها لا نستطيع أن نذهب معهم في إهمال أهمية النقد جملة ، والتغاضي عن فوائده الكثيرة بل ضرورته أحيانًا .
ولابد للوقوف على جليِّة الموضوع من تعريف النقد وتحليله ، وبيان فوائده وما يمكن أن يترتب عليه من أضرار ، ثم معرفة أمثل السبل في استخدام النقد عند الحاجة إليه .
فالنقد في اللغة هو الاختبار والتمييز، ونقَدَ الدراهم والدنانير ميّز جيدها من رديئها .
والنقد المراد هنا: عمل فكري إبداعي الغرضُ منه تمييز صحيح الأقوال والأفكار وجيّدها من باطلها ورديئها بذكر الحجج والبراهين على كلٍّ ، مع الرد على الشبهات والإشكالات بما يجعل المتلقي ـ سامعًا كان أو قارئًا ـ يقنع بما يذكره الناقد ويطمئن إليه .
وهو ينقسم إلى قسمين نقد في الشكل والأسلوب ونقد في المعنى والموضوع . ويتضح لنا من هذا التعريف ما يلي:
1 ـ النقد عمل إبداعي وليس تطفّلًا على الإبداع وأهله ، لأنه عمل قائم على أصول لابد من مراعاتها ، وله هدف يسعى للوصول إليه بطرق معينة ، ولما كان السالكون لهذه المقاصد يتفاوتون فيها بين محسن بلغ الغاية ومقصِّر لم يجاوز العتبة ، كان النقد إبداعًا يتمايز فيه الناقدون ، وعملًا مستقلًا ومنحىً من مناحي الفكر والعلم .
2 ـ النقد المراد ليس عملًا مقصودًا لذاته ، بل هو مقصود لغيره ووسيلة لتمييز الجيد من الرديء ، والحق من الباطل .
3 ـ يجب التمييز بين النقد الفكري العلمي ـ وخاصة فيما يتعلق بعلوم الإسلام وعقائده ـ وبين النقد الأدبي القائم على التمييز بين الأعمال الأدبية لإدراك ما فيها من مكامن الجمال ورائع الخيال أو ضعف الحس الجمالي والذوق الفني .
4 ـ إن النقد ليس عبارة عن مجرد نسبة القول أو الفكرة إلى الخطأ ، بل هو عملية دقيقة من الموازنة بين القولين الراجح والمرجوح ، وذكر أدلة القول الراجح ووجه دلالتها ، وكشف شبه القول المرجوح وبيان وجه ضعفها ، مع التركيز على مواقع اللبس في الموضوع ومن أين يُخشى أن يتطرَّق الزلل إلى السامع أو القارئ على اختلاف البيئات وتنوعها مكانًا وزمانًا وأحوالًا .
5 ـ إن الغاية الكبرى في النقد الإسلامي هي الهداية والإيصال إلى الحق في كل مسألة بدءًا من المنقود صاحب المقالة الباطلة وصولًا إلى جمهور الناس ممن يمكن أن تجد المسألة هوى في نفسه فيعتنقها وهو يظن أنها الحق . وبهذه المعايير للنقد في الفكر الإسلامي نفهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ( يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويل الجاهلين ) [الخطيب البغدادي بسند حسن] .
ونتوصل إلى قاعدة كليّة في العلوم الإسلامية وهي أن النقد الإسلامي هو السياج الذي يكفل حفظ العلم وسلامة الفكر في كل جيل ، وأنه كما ورد في البيان النبوي يتركز في ثلاثة محاور: