الأول: تزييف التحريف، وتحريف الكلام هو تغييره وصرفه عن معانيه، وغالبًا ما يكون عمدًا من المحرّف، ولذلك وصف المحرّفون في الحديث بأنهم غالون أي بعيدون في الضلال والانحراف .
الثاني: إبطال الانتحال، وانتحال القول أن يدعيه المرء لنفسه وهو لغيره، أو نسبة القول لغير قائله، وهو ضرب من الكذب في الرواية تنتج عنه نتائج خطيرة قد لا يتفطّن لها بادي الرأي.
الثالث: التبيين لتأويل الجاهلين ، والتأويل هنا هو التفسير ومعرفة المراد من النصوص، وعندما يتولاّه من لا يعلمه فلابد أن يخطئ فيه لجهله ، فإنه إن أصاب الحق اتفاقًا ـ وهذا نادر ـ نسب إلى الخطأ فكيف إذا لم يصب الحق ، وهذا الخطأ راجع إلى جهة الدلالة والفهم .
وبهذا نعلم حقًا مشروعية النقد الإسلامي وتحصينه للعلم ، بل وجوب القيام به على الكفاية في كل عصر تحقيقًا للأهداف السابقة بكل إخلاص وتجرد كما هو شأن أي عمل مقبول في الإسلام ، وأنه قد يكون نقدًا لخطأ في الاجتهاد ، أو ردًا على ضلالة ناتجة عن كذب أو تحريف ، وقد يسمى نقضًا إذا أريد إبطال الكلام كله أصولًا وفروعًا.
وأما ما يراه البعض من أن ذكر الحق المجرد يكفي لرفع الباطل ودفعه، ولا حاجة لتفصيل الرد على الفكرة الباطلة وقائلها ، فهذا صحيح في بعض المواقف ولكن ليس على إطلاقه ، ففي مواقف أخرى كثيرة أيضًا يكون الأمر محتاجًا لنوع خاص من العناية بتقرير الدليل ورفع الشبه المختلفة التي لبَّس بها من روّج للفكرة الباطلة ، وقد يكون هذا التلبيس شديدًا بحيث يظن معتنقة أن الحق لا يتعدّاه فاحتاج إلى النقد المفصَّل لإزاحة الشبه وتخلية القلب مما علق به ، ثم بناء الفكرة الصحيحة بأدلتها وهذا يحتاج فن عالٍ من الناقد وذوق في الرد والاستدلال والنقض والبناء ، والحق في الآية عام لا يقتصر على الحق المجرد ، بل إن النقد مع الاستدلال نوع من الحق الذي لا يثبت الباطل أمامه ، بل هو الأولى أن يزهق الباطل أمامه لأنه مدعّم بالحجة والبرهان مع إزاحة الشبه ، وقد خوطب به من التبس عليه الأمر بما يناسبه من إقامة الحجة وفهمها فكان أدعى للظهور .
وأما ما ذكروه من أن النقد قد يكون سببًا لشهرة القول وبلوغه من لم يسمعه فهذا قد يكون صحيحًا أحيانًا عندما يكون القول الفاسد لم ينتشر بعد ولم يسمع به السواد من الناس ، فعلى الناقد في هذه الحالة أن لا ينشر نقده لئلا ينتشر بنشره القول المردود عليه ، بل يكتفي بالرد بحسب الحاجة لخصوص من يهمهم ذلك ، أو يعلم أنهم متأثرون به ، ولكنه في أحوال كثيرة يكون القول الباطل قد انتشر وفشا ، ولا يخاف من نقده حصول انتشاره ، والقعود عن الرد والنقد ـ والحالة هذه ـ من النقائص الكبرى والمخالفات العظمى في حفظ الحق ومعالمه وأداء الأمانة للخلف عن السلف .
وإن من تلبيس الشيطان على كثير من علماء المسلمين ما انتهوا إليه من القعود عن الرد على الأقوال الباطلة التي تقرع آذان عموم الناس صباحَ مساء ، بحجة أن ذلك فيه نشر للقول وتعريف به ، ونسي أكثرهم العصر الذي يعيش فيه وما تطلع به الحضارة المادّية على الناس في كل يوم من فنون الاتصالات التي سبقت الخيال ، هذا مع ما في هذا الاتجاه من إرضاء لميول النفس من الكسل والدعة والاكتفاء بالنقد السطحي الساذج بدل التعَب والتفتيش عن الحجج والبراهين، مما استغله أهل الباطل جاعلين ذلك من جملة أدلتهم على باطلهم بأنه لم يظهر ردٌّ عليه يحاكيه ويناسبه. وكثيرًا ما سمعنا ونسمع عن أشخاص تأثروا ببعض الأباطيل ولما روجعوا في ذلك قالوا: لم نجد بعد البحث والتفتيش ردًّا محكمًا على ما نعتقد .
أما قضية حفظ القول من الانقراض فهو أمر من عالم الغيب لا سلطان لأحد عليه ولا تكليف ، بل نحن مكلَّفون بما يكون في عصرنا لإزاحة الشبه ورد الأباطيل ونصيحة الأمة ، وهذا لا يترك لاحتمال حفظ الأقوال ضمن كتب الردود، وقد حكى الله تعالى لنا في القرآن بعض المقالات الباطلة وردّ على قائليها ، وإن الضلالات والأباطيل تتشابه وإن اختلفت الأقوال والأشكال في العصور المختلفة ، ومن هنا نفهم ما جرى عليه علماء الأمة من الرد على جميع الضلالات واستفراغ الوسع في ذلك في جميع العلوم ، حتى حصل من كتب الردود ما لا يحصى، وما ثَمَّ شبهةٌ أو ضلالة قيلت إلا وُردَّ عليها، بل إنهم كتبوا في نقد الأقوال المرجوحة عندهم وإن لم توصف بالضلال رائدهم في ذلك قول الإمام مالك رحمه الله: ما منا إلا من ردّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم .