إعدادالشيخ:أبوزيد بن محمد مكي 2/4/1424
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد تباينت أقوال الناس في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، رغم كثرة النصوص الواردة فيها , والمجلية لحكمها , وإن أعظم سبب لهذا الاختلاف هو اختلافهم في حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر .
إن من فهم حقيقة الإيمان , وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة , عرف مباشرة منزلة الحكم بما أنزل الله في الإيمان , وعرف أحوال ومراتب الحكم بغير ما أنزل الله في الكفر .
ولذلك أحببت أن يكون البحث في مسألة الحكم والتشريع متصلا ً بإيضاح حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة , فكان هذا البحث في فصلين بمباحثهما كالتالي:
الفصل الأول: الصلة بين الحكم بما أنزل الله وحقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة . وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة .
المبحث الثاني: صلة الحكم بما أنزل الله بأركان الإيمان المطلق .
الفصل الثاني: الصلة بين الحكم بغير ما أنزل الله وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة. وفيه مبحثان:
المبحث الأول:حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة .
المبحث الثاني: الصلة بين مسألة الحكم بغير ما أنزل الله وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة .
سائلا ً الله تعالى التوفيق والإعانة
الفصل الأول:الصلة بين الحكم بما أنزل الله وحقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة
المبحث الأول: حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة
ـ تعريف الإيمان لغة:
هو مصدر لفعل آمن,وفعل آمن له حالتان:
الحالة الأولى:أن يتعدى إلى مفعوله بدون واسطة,كقوله تعالى: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (1) فيكون معنى الإيمان هنا هو إعطاء الأمان.
الحالة الثانية: أن لا يتعدى إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة ، وهذه الصلة, إما أن تكون (الباء) كقوله تعالى ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ) (2) أو تكون (اللام) كقوله تعالى: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) (3) . وقوله تعالى: ( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) (4) . فيكون معنى الإيمان هنا هو التصديق
ومن المهم جدًا أن ننتبه إلى أمرين خطيرين عندما نفسر الإيمان لغة بأنه التصديق وهما:
الأمر الأول: أنه ليس المراد به مجرد التصديق , وإنما المراد به التصديق الذي يكون معه: إقرار وأمن وطمأنينة , فأنت عندما تؤمن بكلام ما , معناه: أنك وصلت في تصديقك بهذا الكلام إلى مرحلة الأمن من أن يكون في هذا الكلام كذب بوجه من الوجوه , فلذلك فأنت مطمئن له , ومقر به.
ولذلك فسر شيخ الإسلام الإيمان لغة بأنه: الإقرار (5) .
الأمر الثاني: أن التصديق في اللغة كما يكون بالقلب , يكون باللسان وحده , ويكون بالقلب واللسان معا ً, ويكون بالجوارح أيضا ً , قال صلى الله عليه وسلم: »والفرج يصدق ذلك أو يكذب « .
فعندما يُفسر الإيمان في اللغة بأنه التصديق فلا يظن ظان أن التصديق مقصور على القلب , بل التصديق - كما تقدم - كما يكون بالقلب يكون باللسان والجوارح أيضا ً, فكذلك الإيمان في اللغة كما يكون بالقلب يكون باللسان والجوارح أيضا (6) .
2-تعريف الإيمان شرعا ً:
الإيمان شرعا ً له حالتان:
الحالة الأولى: حالة الاقتران:
وهي: الحالة التي يرد فيها ذكر الإيمان في النصوص الشرعية مقترنا ً بذكر الإسلام .
كقوله تعالى: ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (7) .
والحالة الثانية: حالة الإطلاق:
وهي: الحالة التي يرد فيها ذكر الإيمان في النصوص مطلقا ً غير مقترن بذكر الإسلام .
كقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (8) .
فإذا تأملنا في الحالة الأولى , وفي آية الحجرات بالذات , فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا , أن بين الإيمان والإسلام فرق في المعنى , فإذا أردنا التعرف على هذا الفرق , فإن حديث جبريل يفيدنا به, فعندما سئل المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الإسلام أجاب بأركان الإسلام الخمس,وعندما سئل عن الإيمان أجاب بأركان الإيمان الستة,ثم عندما انصرف جبريل,قال صلى الله عليه وسلم:»فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم« (9) .
فدل حديث جبريل أن دين الإسلام مكون من ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان ، وإذا تأملنا في أركان الإسلام رأينا أنها تعني بالجانب العلانية من الدين والمتعلق بالجوارح , وأن أركان الإيمان تعني بالجانب الباطن من الدين والمتعلق بالقلب .