[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]
الجهاد - كما يقول الإمام الصنعاني في كتابه سبل السلام - مصدر جاهدت جهادا، أي بلغت المشقة، هذا لغة، وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة.
وإنه لمن فواجع المرحلة التي يمر بها المسلمون اليوم أن لم يكفهم من الخسارة تعطيل الجهاد على مستوى الفعل من سلوكهم ومقاومتهم، ولكن أن زادوا خسرانا فسمحوا لمن كفر بدينهم واحتقر ثقافتهم وصنع هزيمتهم أن يدخل إلى مخادعهم ليفرض عليهم إسقاط الجهاد على مستوى النية من ثقافتهم وتعليمهم في بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم.
لكن تعالوا نتعرف أولا على الأدوار التي مر بها مبنى الإسلام - حتى اليوم - في تعرضه لخطر إسقاط الجهاد.
إن مبنى الإسلام لا يحتاج إلى ضمان بقائه كدين غير الضمان الذي ذكره الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ، ولكننا نبحث هنا عن ضمان بقاء الناس فيه أو معه.
لقد بدأ الإسلام غريبا بمرحلة النقاء والتميز الأولى، ثم مر بمرحلة الخلط والتزييف في العقل والعلم والقوة والمتعة والدنيوية، ثم بمرحلة المحن والابتلاء الحاضر، ثم يعود - حسب وعد الله - إلى مرحلة النقاء والتميز مرة أخرى، وهذا هو بقاؤه.
لقد مرت عملية بناء الإسلام بالدوائر الآتية:
دائرة المركز: في بناء الأفراد بالتربية والقيم.
ودائرة الوسط التي تحيطها: في بناء المجتمع.
ودائرة الانتشار: بالدعوة على المستوى العالمي.
ودائرة الحراسة: بالقوة التي تحمي ما قبلها، أي في بناء الدولة.
وإنه ليتحرك الجهاد أولا لبناء هذه الدوائر، ثم يتحرك الجهاد لحماية هذه الدوائر على عكس الترتيب السابق. فلما تركنا الجهاد تبددت - أول ما تبددت - دائرة الحراسة بالدولة، ثم انتقل هجوم العدو إلى دائرة الدعوة على المستوى العالمي، ثم انتقل هجوم العدو إلى دائرة المجتمع بتفكيك وحدته على أساس الإسلام، ثم انتقل هجوم العدو إلى دائرة المركز؛ دائرة التربية والقيم والأفراد.
ومن جهتنا فلقد تحركنا في إسقاط فريضة الجهاد في ثلاثة اتجاهات:
الأول: إشاعة مفهوم مزيف عن السلام يعني الاستسلام.
الثاني: ضرب فريضة الجهاد خوفا من البعث الإسلامي المنشود.
الثالث: إخفاء المفهوم الديني لصراعنا مع الغرب تجاهلا لقوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} .
ولم يتمكن العدو منا لمحض قوة فيه، فنحن الذين أعطيناه شرعية أن يضربنا، لتحريرنا من"الاحتلال الداخلي"- يعنون نظام الحكم الفاسد - وهو مفهوم شديد التهرؤ سياسيا، شديد السقوط أخلاقيا، شديد الكذب واقعيا، فليس لذي ذرة من شرف أو طائف من عقل، أو مسحة من كرامة، أو بقية من دين أن يؤيد المحتل الخارجي الكافر ضد فساد داخلي مهما يكن أمره، مبررا ذلك بلعبة لفظية كاذبة بتسميته الفساد الداخلي احتلالا، وهو في هذا أشبه بامرأة اعترفت بقلة حيلتها ثم استقبلت في فراشها المهجور علجا أجنبيا مقتحما زانيا - ربما لساعة أو ساعتين أو عقد أو عقدين أو قرن أو قرنين!! - بعد أن ساعدته على طرد رجلها الذي عاشرته طويلا لأنه قاس فاسد ولكن أيضا لأنه: لم يعد قادرا على الإنجاب، فهلا استبدلت به زوجا شرعيا؟
ونحن الذين أنكرنا من قبل وما زلنا على مجاهدينا التوجه إلى ساحة المعركة باسم الإسلام، وقدمنا لذلك كله بعملية غسيل الذاكرة: محو التاريخ (تاريخنا) ، تشويه التاريخ (تاريخنا) ، تجميل التاريخ (تاريخ العدو) ، ثم إنكار ما أصبح يسمى دعائيا"نظرية المؤامرة"في حين أن إنكارها - بشروطها - هو في حد ذاته جزء من المؤامرة.
ونحن في معارك الحرب الصليبية الأخيرة؛ نحن الذين قدمنا الأرض والتسهيلات التي دخلت منها جيوش العدو إلى أفغانستان، ثم إلى العراق عبر دول استحقت مفهوم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ، ثم استحقت حكم الله في قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وقوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله ورسوله يوادون من حاد الله ورسوله} ، والبقية تأتي...
ويخطئ من يظن أن الجهاد بدعة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هو بصريح قوله تعالى: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} ، وباستعراض ما جاء في تاريخ الأنبياء السابقين.. نجده جوهرا في رسالاتهم جميعا.