فهرس الكتاب

الصفحة 2241 من 27345

السؤال:

هل لأبي الحق في منعي من الزواج ممَّن ارتضيتُ ؟ أو تحريضي على تطليق من تزوجت ؟

الجواب:

لا يخفى على من امتنَّ الله تعالى عليه بالهداية إلى هذا الدين ما للأبوين من مكانة في حياة المسلم ، و ما لبرهما و الإحسان إليهما من الأجر العظيم عند ربّ العالمين ، و ما على عقوقهما من الجزاء الوخيم في الدنيا و الآخرة .

و لمَّا كان أحق الناس بحُسن صحبة المرء و صلته أبواه ؛ قَرَن تعالى الإحسان إليهما بعبادته و توحيده في قوله: ( وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [ النساء: 36 ] .

و قال سبحانه: ( وَ قَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) [ الإسراء: 23 ] .

و أمام هذا الحق لا مندوحة لك - أخي المسلم - عن طاعة أبيك ، فإن كان اعتراضه عليك متقدِّمٌ على زواجك ممَّن ارتضيت دينها و خُلُقها فأطع أباك و احتسب الأجر و الثواب عند الله تعالى على امتثال أمره ، و التمس لك زوجة أخرى فإن النساء كُثُر ، و من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه .

أما إذا كان الأمر بعد الزواج فلا بد من التريث قليلًا قبل الحكم في مسألة أمر الأب ابنه بتطليق امرأته ، لما قد يترتب على هذا الأمر من التعدِّي و الظلم ، و الظلم ظُلُماتٌ يوم القيامة .

و قد اشتهر عند أهل العلم القول بوجوب طاعة الأب في هذا الأمر ، و لهم على ذلك ثلاث أدلّة:

أوَّلها: ما في الصحيح و غيره من قصة إبراهيم عليه السلام و ولده إسماعيل ، و فيها قول خليل الرحمن لزوجة ابنه: ( إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلامَ وَ قُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ ) ، فلما عاد إسماعيل عليه السلام ، و أخبرته زوجته الخبر ، قال لها: ( ذَاكِ أَبِي وَ قَدْ َقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ ؛ الْحَقِي بِأَهْلِكِ ) . فَطَلَّقَهَا ، وَ تَزَوَّجَ أُخْرَى .

و وجه الدلالة في هذا الخبر جلي ، حيث أمر الأب و امتثل الابن ، و لو لم يكن ذلك من باب الوجوب ، فهو من باب البر و الطاعة على أقل تقدير .

و هذا مما يحتج به من شرع من قبلنا لما جاء في شرعِنا الحنيف مقرِّرًا له ، فقد روى ابن حبَّان في صحيحه و الحاكم في مستدركه بإسناد قال عنه: صحيح الإسناد على شرط الشيخين و لم يخرجاه ، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما - قال: كانت تحتي امرأة أحبها ، و كان عمر يكرهها. فقال عمر: طلِّقها. فأبَيْتُ . فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم . فقال: ( أطِع أباك ، و طلِّقها ) . فطلقتُها . و هذا ثاني الأدلة على وجوب طاعة الأب و امتثال أمره إذا أمر ابنه بتطليق زوجته .

و ثالثها ما رواه ابن ماجة و الترمذي بإسنادٍ صححه ، و هو كما قال ، و ابن حبان في صحيحه عن أبي عبدِ الرَّحمَنِ السُّلميِّ عن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتاهُ فقال: إنَّ لي امرأةً و إن أمِّي تأمُرُني بطلاقِهَا فقال أبو الدَّرداءِ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ و سَلَّم يقولُ: ( الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ فإن شئتَ فأضعْ ذلكَ البابَ أو احفظْهُ ) ، هذا لفظ الترمذي ، و لم يُجزَم في رواية ابن ماجة بأنّ أمَّه هي التي أمرته بالتطليق ، بل قال: إنّ رجلًا أمره أبوه أو أمُّه . و الحديث أورده الشيخ الألباني في الصحيحة [ 914 ] و قال رحمه الله بعد أن ذكر تصحيحه: ( قوله: فاحفظ ذلك الباب أو ضيِّعه ؛ لظاهر من السياق أنه قول أبي الدرداء غير مرفوع ) .

و عليه ؛ فطاعة الأب في هذا الأمر واجبة ما لم يكن ذلك لغرضٍ دنيويٍ أو حاجةٍ في نفسِه ، فإن وُجِدَ الغَرَض آلت المسألة إلى إيقاع الظلم بالزوجة ، و هو محرم ، لا طاعة فيه لأحدٍ ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و لكن الطاعة في المعروف .

و على هذا يحمل ما رواه ابن عبد البر [ في التمهيد: 23 / 405 ] بإسناده عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: تزوَّج عبد الله بن أبي بكر الصديق عاتكةَ ابنة زيد بن عمرو بن نفيل ، و كانت امرأةً جميلةً ، و كان يُحبُّها حُبًّا شديدًا ، فقال له أبو بكر الصديق: طَلِّق هذه المرأة ؛ فإنَّها قد شغلتك عن الغزو . فأبى ، و قال: و من مثلي في الناس طلَّقَ مِثْلها ؟ و ما بها بأس تُطَلَّقُ . قال: ثم خرج في بعض المغازي فجاء نعيه . فقالت فيه عاتكة:

رُزِيتُ بِخَيْرِ النَّاس بَعْدَ نَبِيِّهِم *** و بعدَ أبي بكرٍ و ما كان قَصَّرا

فآليتُ لا تَنْفَكُّ عَيني حزينةٌ *** عليكَ و لا ينفكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرا

فَلِلَّهِ عَيْنَا مَن رأى مِثْلَهُ *** فتىً أعفَّ و أحصى في الهِيَاجِ و أَصْبَرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت