فهرس الكتاب

الصفحة 12414 من 27345

بين التقليد والتجديد

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

كتبت إِليّ فتاة من إحدى البلاد العربيّة تسأل وتقول: قرأت في إحدى الصحف عن ديوان لك حيث مُدِح كثيرًا ، وأشاد الكاتب بجمال الإيقاع الموسيقي ، وقوة التركيب ، وجمال الصور ، وترابط القصيدة ، ولكن قال بعد ذلك: إلا أن هذا الشعر عموديُّ تقليدي ليس فيه تجديد كشعر النثر والتفعلية . إلى آخر الكلام ، ثمّ سألت: ما هو التقليد وما هو التجديد ، وما هو ميزان ذلك ؟

وحدثت مواقف أخرى سيرد ذكرها في هذه الكلمة ، دار فيها الحوار حول التقليد والتجديد وميزان ذلك .

قبل كل شيء لا بد من أن أصحح خطأ شاع على الألسن وفي الصحافة ، ولدى عدد من الأدباء ، حين يستخدمون كلمة"الشعر العمودي"، بمعنى الشعر الموزون المقفى . وهذا استعمال خاطئ ، لأن هذا المصطلح الفني لم نضعه نحن ، وإنما وضعه أجدادنا الأدباء المسلمون . لم يكن للوزن والقافية علاقة بمصطلح"الشعر العمودي"أو"عمود الشعر"، لأن الوزن والقافية لم يكونا موضع بحث أو خلاف في موضوع الشعر ، فالشعر عندهم ، عندما وضعوا المصطلح ، كان يعني الكلام الموزون المقفى ، والكلام الذي شَرُف بالوزن والقافية وتميَّز بهما عن النثر ، كما تنصّ المعاجم على ذلك ، وابن خلدون ، ومراجع أخرى كثيرة . وكانوا يعون أن الشعر ليس وليد عاطفة فحسب لأنهم يعرفون معنى كلمة شعر بأنه: عَلَمَ وفَطِنَ ، وشَعُر بمعنى أجاد ، كما أشرتُ إلى ذلك في كتابي:"النقد الأَدبي المعاصر بين الهدم والبناء". عمود الشعر يعني الخصائص الفنيّة التي تتوافر في الشعر العربي ليرقى في درجات الإبداع والإجادة .

لقد اعتبر أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدى ( ت 370هـ ) في كتابه"الموازنة"أن عمود الشعر هو طريقة البحتري ، وبين أهم معالم طريقته . أما القاضي عبد العزيز الجرجاني (ت:392هـ) فقد حدّد عمود الشعر بست نقاط:"شرف المعنى وصحته ، وجزالة اللفظ واستقامته ، إصابة الوصف ،المقاربة في التشبيه ، الغزارة في البديهة ، كثرة الأمثال السائدة والأبيات الشاردة". ونلاحظ هنا أنه لم يتطرّق إلى وجود الوزن والقافية أو عدم وجودهما . ولما جاء أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي (ت 421هـ) حدّد عمود الشعر بسبع نقاط:"شرف المعنى وصحته ، جزالة اللفظ واستقامته ، الإصابة في الوصف ، المقاربة في التشبيه"، فقد وافق الجرجاني في هذه النقاط الأربع ، وأضاف ثلاثًا أخرى:"التحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن ، مناسبة المستعار منه للمستعار له ، مشاكلة اللفظ وشدّة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما".

هذا هو عمود الشعر ، وهذا هو الشعر العمودي ، ولا شعر بغير الوزن المحدّد والقافية المحددة فذلك نثر في جميع حالاته . هذه هي اللغة العربيّة وهذا شعرها ، وهذا من ثوابتها .

إنَّ مصطلح"عمود الشعر"الذي اعتمد عليه الآمدي هو ما كان شائعًا في عصره ، معتمدًا لدى الأدباء من تأليف حلو ، ونظم حسن ، وديباجة ذات الرونق ، مما وجده بارزًا في شعر البحتري .

لقد كان هناك مصطلحات محددة تعبّر عن حقائق فكريّة وأدبية في مختلف الميادين . وكان الوضوح والدقة معلمًا ظاهرًا في ذلك .

أما اليوم فقد اختلطت المصطلحات ، واختلطت دلالاتها ، وزاد الأمر سوءًا ما طرحته الحداثة والعلمانيّة ومذاهبهما من مصطلحات ومواقف غذّاها الإعلام كثيرًا ، وبخاصة الإعلام الغربي بأشكاله المتعددة ووسائله المتنوعة ، حتى بدا كأنه طوفان ! .

ظهرت مصطلحات: الأَصالة ، المعاصرة ، التقليد ، التجديد ، التطور، والحداثة ، النمو ، وغير ذلك من المصطلحات التي ظلّت"عائمة"لا تحمل معنى محدَّدًا ، أو تحمل معاني مختلفة ، كل معنى يمثِّل طائفة ، يدور بيْنها الصراع .

منذ القرن التاسع عشر أخذت تظهر بوادر هذا الغزو . ونشأت طائفة تدعو إلى تبعيّة كاملة للغرب: فكرًا وسلوكًا وعادات ، أدبًا واقتصادًا وسياسة . وظهر ذلك في مرحلة كان المسلمون فيها ضعفاء ، فأثر الغزو فيهم تأثيرًا كبيرًا ، وظلّت المصطلحات تتردّد في تناقضاتها أو تغيب عائمة دون وضوح . واضطرب بذلك الميزان في أيدي الكثيرين .

ما المقصود بالتقليد ؟ ! وإذا كان هناك تقليد فتقليد مَنْ ؟ ! وما المقصود بالتجديد ؟ ! وإذا كان هناك تجديد فما هو نهجه ؟ ! وما هو ميدان التقليد والتجديد ؟ ! هل هو محصور في شكل القصيدة العربيّة ؟ ! هل هو في ميدان الشعر فحسب ؟ ! هل هو في ميدان الأدب كله ؟ ! هل هو في الفكر كله وفي السعي والعمل ؟ ! وما ميزان ذلك ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت