رئيسي:تربية:الثلاثاء 19ربيع الآخر 1425هـ - 8 يونيو 2004 م
قد ينظر الكثير منا إلى فتح مكة باعتباره مَعلم النصر لصدر الأمة الأول، وهو مَعلم انتصار عظيم وفتح من الله مبين لا ريب، ولكن هل هو حقيقة الانتصار، أم ثمرته؟ وهل التمكين في الأرض هو جوهر النصر، أم هو تتويج له؟ وإن لم يكن كذلك: فما هي حقيقة النصر التي لا يضر معها تخلف حصول الثمرة، وتأخر حفل التتويج؟
لقد سبقت فتحَ مكة معاركُ عظام، وأحداث جسام، لم تكن ساحتها ميدان القتال بعد، كما لم تكن عدتها السيف والسنان بعد، وإنما كانت معركةً من نوع آخر، وكان تدافعًا من نوع آخر:
كانت معركة اسمها: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [94] } [سورة الحجر] .
وكانت معركة اسمها: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [6] } [سورة الكافرون] .
ودارت رحى المعركة الأولى حول تجريد التوحيد:وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [8] رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [9] } [سورة المزمل] .
وكانت عُدة المعركة الثانية: فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [8] وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [9] } [سورة القلم] .
واشتدت أتون هذه الحرب، و تمحضت معها حقيقة التوحيد في قلوب أولئك النفر، فإذا بهم يتلذذون في آهاتهم، ويتنعمون في أنَّاتهم، قد أغناهم حب الله عن كل ما سواه، وشغلهم مشهد العبودية
عن مشهد التسخط على الأذى فيه سبحانه وتعالى، وكانت تلك بداية معركة التحرير، وأولى ملامح الانتصار.
ثم أخذ مشهد المعركة يتميز شيئًا فشيئًا وأخذت معالم الطريق تتضح شيئًا فشيئًا: نعم لقد بدأ أولئك النفر يدركون أنه لابد من تسديد بعض أقساط الجنة.
فكانت الأقساط من أموالهم تارةً، ومن أجسادهم ولحومهم تارةً، كانت من الولد والأهل تارةً، ومن العشيرة والوطن تارةً، قطعوا ما بينهم وبين الناس؛ ليقيموا ما بينهم وبين الله، وطلقوا الدنيا ليخطبوا الآخرة، وأفرغوا قلوبهم من كل ما سوى الله، فتهيأت لغرسة التوحيد فيها، هُجِّروا فهاجروا، وعُذِّبوا فصابروا ، استُنصروا فنصروا، واستُنفروا فنفروا، وكلما تجردوا من علائق الدنيا كلما تميزت عندهم معالم النصر، وغدت ملامح الانتصار وحقيقته أكثر وضوحًا، وأشد نورًا من ذي قبل.
ثم كان أن تحول ميدان المعركة إلى السيف والرمح: وكانت بدر، وما أدراك ما بدر! ولكن بريق النصر العسكري، ونشوة اندحار العدو ومادته قد يخطف الأبصار أحيانًا، فلربما ظن المسلمون أن النصر العسكري، والغلبة والظهور المادي أمرٌ لازمٌ ملازم، بل قد تزين نفس المرء له استحقاقها لهذا الظهور حتمًا، كيف لا وقد اجتمعت الدواعي من التزام الحق، وتأييد السيف له، والإثخان في العدو، وكسر شوكته وشكيمته، ولكن ليس هذا هو تمام النصر، بل كان لا بد من جولة أخرى يكتمل فيها انتصار الإسلام والمسلمين، وهكذا كانت غزوة أحد.
دخل المسلمون غزوة أحد و لربما كانت نشوةُ النصر في بدر آخذةً بلب بعضهم، و لربما خال بعضهم أنه ومنذ بدر نصرٌ بلا هزيمة وغلبةٌ بلا انكسار، و لربما توهم البعض أن مجرد التزامِ طريق الحق موجبٌ لدوام الظهور والتمكين، وعندما انقلبت موزاين المعركة، وتجرد المسلمون من كل رداء خلا العبودية المطلقة لله؛ تمحضت آنذاك معالم النصر؛ عندما كُسرت ثنية النبي صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وجهه الشريف؛ تمحضت معالم النصر في أمةٍ هكذا قائدها، أمة رأس الحربة فيها هو الإمام القائد، أو قل: الرئيس الحاكم، أمةٌ لا ينشغل حاكمها بكرسي الدنيا عن كرسي الآخرة، قائدٌ يستشير الصغير والكبير، وينزل عند رأي المخالف فيما لا يغضب الله؛ تطييبًا للقلوب، وجبرًا للخواطر، قائدٌ يصمد حين يلتفت الناس، ويرفع لواء الحق حين يتواني عنه الناس، قائدٌ يسدد شيئًا من أقساط الجنة من لحمه ودمه حين يلوذ الناس بلحومهم ودمائهم.
وعندما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد، وعندما قام أبو دجانة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترَّس عليه بظهره، والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك، وعندما جعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب تذود عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتيت من قوة في تسعة رهطٍ اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم حين انفض عنه الناس، هنالك لاحت معالم النصر.
وعندما أصيب زوج وأب، وأخ المرأة من بني دينار، وهي لا تسأل إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأته قالت:' كل مصيبةٍ بعدك جلل' أي: هينة.
عندها كان أحد معالم الانتصار، عندما تحقق تقديم حب الله ورسوله على كل ما سواهما عندها كان النصر.