* محمد باقر الصدر
(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) .
(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله، شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) .
(إنما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) .
(مَن عمل صالحًا فلنفسه ومَن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون) .
لسنا نريد ـ ونحن نعيش لحظة في ضوء هذه الآيات الكريمة ـ أن ندرس قيمة العمل في نظر الاسلام من وجهة النظر الاقتصادية، أو أن نبحث عن موقف الاسلام من الطابع البضاعي للعمل في السوق الرأسمالية، التي يعرض فيها الاجراء أعمالهم بوصفها بضاعة تباع وتشرى، وتخضع لقوانين العرض والطلب كسائر السلع السوقية.
نحن إزاء تقدير الاسلام لقيمة العمل ـ أي عمل ـ من وجهة النظر الانسانية والقيم الخلقية التي يؤمن بها، لا من وجهة النظر الاقتصادية التي تعالج طبيعة العمل المأجور، ودوره الخلقي في الانتاج ونصيبه العادل من التوزيع. وبكلمة أخرى: ندرس الآن تسعيرًا أخلاقيًا للعمل البشري، لا تسعيرًا اقتصاديًا.
فما هو العمل الانساني الجدير بالاعجاب والاحترام؟ أو ما هي المقاييس التي يجب اتباعها في سبيل الكشف عن قيمة هذا العمل أو ذاك؟ ومدى أهميته ودرجة احترامه من الناحية الخلقية والمعنوية؟
هذا هو السؤال الذي نريد الجواب عليه من ناحية الاسلام ونحاول الحصول على هذا الجواب من خلال الحقيقة التي تقررها الآيات الكريمة التي استمعنا إليها في فاتحة هذا المقال، بالقدر الذي يتناسب مع درجة البحث بوصفه مقالًا محدودًا.
والواقع أن الجواب على هذا السؤال من أي مذهب، إنّما ينبثق عن نوعية المفاهيم الخلقية التي يتبناها هذا المذهب. وهذه المفاهيم تحددها ـ بدورها ـ طبيعة الأهداف العامة التي يرمي المذهب إلى تحقيقها. ويتكون من مجموعها المثل الذي يسعى نحو ايجاده أو تصعيد البشرية إلى مستواه.
فالحضارة الرأسمالية ـ بوصفها ذات مذهب يعنى بالمصالح الحياتية للمجتمع، والجوانب الموضوعية من علاقات أفراده بعضهم ببعض ـ ترى أن كل عمل يحقق مصلحة للمجتمع، ويساهم في تأكيد المظهر الخارجي والاجتماعي للعلاقات بين الأفراد، واقامتها على أساس من الحرية والمنفعة المتبادلة.. فهو عمل شريف جدير بالاحترام وفقًا لمدى توفر هذه العنصار الخيرة فيه. وكلما كانت الثمار التي يؤتيها في الحقل الاجتماعي والحياتي العام أكثر، كان العمل أرفع قيمة وأعظم مجدًا في هذا الحساب الخلقي، أي ن العمل يقاس بمنافعه التي تنشأ عنه لا بدوافعه النفسية التي ينشأ العمل نفسه عنها. وحينما طغى الاتجاه النفعي في الحضارة الرأسمالية أصبح يعد كل عمل يسير في هذا الاتجاه نبيلًا، حتى اعتبر رجل الأعمال محسنًا مهما كانت دوافعه الأنانية ومشاعره الخاصة، كما لاحظ بحق الدكتور الكسيس كارل.
فالثرى النبيل يحسن صنعًا في العرف الرأسمالي إذا أشاد مدرسة، وتبرع بمعونة الشتاء للفقراء المنكوبين، أو أقرض الدولة في أزمة من أزماتها قرضًا دون فائدة.. غير أن عمل هذا الثري لن يصل إلى درجة العمل البطولي، الذي ينفقه قائد سياسي محنك في سبيل تحرير بلاده من الأسر السياسي، واعادة كرامتها المغتصبة إليها، لأن الجانب الموضوعي لهذا العمل أضخم ومنفعته في حياة الناس أكبر.
ودون هذا أو ذاك تلك الأعمال الضيقة في مفعولها التي لا تعالج إلا حاجة ة نية محدودة، كحاجة هذا الأعمى الذي يتخبط في طريقه فيخفق قلبك شفقة عليه فتأخذ بيده لترشده إلى الاتجاه الذي يريده.. فهذا عمل نبيل أيضًا ولكنه لا يصل إلى مستوى تلك الأعمال في مقاييس الأخلاق الرأسمالية ما دام لا يتمخض عن نتائج مماثلة في أهميتها وضخامتها.
وأما الماركسية: فهي تتفق مع هذا إلى حد ما وتختلف عنه بعض الاختلاف. فهي ترى أن الصراع الطبقي في داخل كيان المجتمع يجعل مصالح المجتمع متناقضة، فهناك مصالح تدافع عنها الطبقة القديمة التي بدأت تفقد ضرورتها التاريخية وتعرقل القوى المحركة للتاريخ، وهناك بازائها مصالح أخرى للطبقة أو الطبقات الجديدة التي نمت جرثومتها على مر الزمن، حتى اكتملت ووقفت على قدميها تصارع الطبقة القديمة وجهًا لوجه، وتطالب بحقوقها ومصالحها.