الجمعة 10 محرم 1397 / 31 كانون الأول 1976
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
نواجه اليوم السورة الرابعة عشرة وهي سورة العاديات ، ولقد تهديت حيال قصار السور إلى أسلوب في العرض وجيز ، لا أدري أيقع منكم موقع الرضى أم أنتم تنكرون ذلك ؟ عمومًا أنا راغب أن أقف فحسب عند المعالم البارزة في سياق الدعوة مركزًا الأضواء بصورة خاصة على القوانين الأساسية التي تحرك الدعوة ، وغاية من هذا القبيل لا يعنيها في شيء أن تطيل عند التفصيلات والجزئيات ، وإن كانت هذه التفاصيل تحمل إغراءات لا تقاوم . فلنجرب وفي ذهننا قاعدتنا الأولى في النظر إلى كتاب الله وفي أحداث السيرة وهو أننا ننظر إلى الحركة في إطارها كله وننظر إلى القرآن في سياقه كله ، ونجهد أن نربط آيات الكتاب بعضها ببعض وأن لا نعدو عن المعاني الأساسية التي تفيدها هذه الارتباطات ، فنعمل فيها يد التمزيق والبتر والتشتيت ثقة منا أن ذلك يجني على كليات الدعوة وعلى كليات القرآن ، ونقول الآن مستعينين بالله جل وعلا .
عندنا الآن السورة الرابعة عشرة التي هي العاديات ( والعاديات ضبحًا ، فالموريات قدحًا ، فالمغيرات صبحًا ، فأثرن به نقعًا ، فوسطن به جمعًا ، إن الإنسان لربه لكنود ، وإنه على ذلك لشهيد ، وإنه لحب الخير لشديد ، أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير ) وبعد هذه السورة نزلت في جملة من سور القرآن القصيرة ، نزلت الكوثر ( إنا أعطيناك الكوثر ، فصلِ لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر ) ونزلت سورة الماعون ( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون ) نزلت سورة الكافرون ، المعوذتان الفلق والناس ، الإخلاص ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ) إلى آخر هذا السياق من قصار السور . لن ندخل في التفصيلات ، ولكن نحب أن نلفت أنظار إخواننا إلى جملة من الظواهر تبدّت في هذه الدراسة التي مضت ، وهي مع كل خطوة من الخطوات التي نخطوها تزداد وضوحًا .
إن هذا القدر من السور ( أي قصار السور ) استغرق من عمر الدعوة ما لا يقل عن ثلاث سنوات ، والدعوة خلال هذه المدة عاشت بين عواصف شديدة وزعازع تقتلع الجبال ، عاشت بين قوم يكرهونها ويبغضونها ويكيدون لها ولا يتوانون عن استخدام أي نوع من الأسلحة لكي يقضوا على الدعوة وعلى أصحابها ، ولكن العجيب الذي يلفت النظر أننا حين نضع لوحة ما مضى أمام أنظارنا ونحاول أن نضيف إليها ما تشيعه الآيات والسور فإننا نلاحظ أن أسلوب العمل وطريقة العمل ، طريقة تناول الأمور وسياسة تهذيب النفوس ، ومعاملة الخصوم ، كل ذلك يقع من الناس موقع الغرابة لأن الناس لا عهد لهم بأسلوب من هذا القبيل . لقد كان منظورًا لو أن الدعوة كانت على غير هذا الشكل ، أن يأخذ الصراع ألوانًا أخرى وأن يجري مع الناس حيث جروا ، ولكنا وجدنا الأمر على خلاف ذلك ، إنه وبعد أكثر من عشر سور من القرآن الكريم وجدنا من حيث النتيجة نتلمس طريقنا نحو التعرف على الصورة الأولية لهذا التكوين الجديد ، وجدنا هذا الإسلام يتجه نحو تكوين المجتمع الخاص به القائم على عقائده وشعائره وأخلاقياته الخاصة ، ولكن الشيء الذي يلفت النظر بشدة أن هذا المجتمع لم يكن يكترث كثيرًا بهذه الخصومة الحاقدة التي تموج من حوله بالشر ، لا أقول أنه أغفلها ، ولا غفل عنها ، ولكنه لم يعطها بالًا . حسبك أن تنظر إلى ما مر ، الشيء الأساسي الذي اهتمت له الدعوة وعني به القرآن وأكّد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله ومواقفه هو أن يؤسس نقطة الافتراق بين ما ينبغي عليه في الجاهلية وبين ما ينبغي عليه أن يكون في الإسلام ، فكانت هذه النقطة هي الإيمان بالله تبارك وتعالى ورفض الشرك والوثنية وسائر المذاهب التي لا تستقيم على أساس الوحي .
والشيء الثاني الذي ركّزت عليه الدعوة وأكّدته آيات الكتاب وركّز عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا هو ضرورة تغيير ما في النفس ، وهذه نقطة ذات أهمية بل لعلها المفرق الذي يميز الإسلام عن كل مناهج الأرض ، فهو يرى أن النفوس الخربة لا تصلح لتأسيس المجتمعات السليمة ، وأن الناس الذين يتسمون بهشاشة الطبع وسذاجة التكوين لن يكونوا روادًا في أعظم ميدان خاضته البشرية حتى الآن ، فمن هنا كان تأكيدنا منذ البداية على أن الإسلام أعطى المعركة داخل النفس أولوية مطلقة لا تعلو عليها معركة أخرى ولا يتقدمها اعتبار آخر ، فالبناء الجديد يحتاج لكي يدعم ويشيد إلى عناصر من لون خاص . لقد تغير جيل الصحابة تغيرًا كاملًا عما كانوا عليه في الجاهلية .