السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذه الليلة الطيبة المباركة ليلة الاثنين الموافق الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمائة وأربعة عشر للهجرة في جامع ابن عيد في مدينة المباركة ألتقي وإياكم على مائدة من موائد النبوة وعلى ذكر نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا به جميعا.
أشكر الله جل وعلا وأحمده على تيسير هذا اللقاء ثم أشكر أولئك الرجال المجهولين الذين يعملون ليل نهار لا يرجون نحسبهم كذلك من الناس جزاء ولا شكورا وإنما رجاؤهم بالله جل وعلا الإخوة القائمين على مكتب الدعوة في هذه المدينة فهم الذين تسببوا في هذا اللقاء فشكر الله سعيهم ووفقهم وسدد خطاهم ورعانا وإياكم أجمعين.
أيها الأحبة موضوع هذا اللقاء السر في حياة النبلاء أو إن شئت فقل السر العجيب فيا ترى ما هو هذا السر؟ إن حديثي هذه الليلة هو حديث للقلوب ولعله أن يكون إن شاء الله حديث من القلب للقلب ولذلك يشترط أن يخلو القلب من أمور الدنيا ومن زينتها جئتم وجلستم في بيت من بيوت الله ليكون الحديث طيبا والقلب مصغيًا يبعد الهواجس وملذات الدنيا خلال هذه الساعة جرب مع نفسك أن تترك الدنيا خلف ظهرك هذه الساعة وتعال واسمع ونحن نصول ونجول ونبحث في السر في حياة أولئك الرجال الذين هم أموات في قبورهم ولكنهم أحياء في ذكرهم ونحن نسمع ليل نهار تلك الأسماء على المنابر وعلى كل لسان وفى بطون الكتب وفى كل مكان فلا إله إلا الله من أحيا هذه الأسماء وهذه هي والله الحياة الحقيقية أيها الأخيار .
أول عناصر هذا الموضوع السر العجيب يتحدث إلى القلب عذرًا أيها القلب أعرفتني لا تقل إنك لا تعرفني فقد وقفت على مشارف أسوارك وقرعت أبوابك كثيرًا كنت أحوم لأجد منفذًا أنفذ إليك منه إيه أيها القلب لقد أصبحت أقسى من الحجر لماذا تحاول الهروب مني ولماذا هذا الصدود عني فكلما هممت بأمر سوء حاولت الوقوف أمامك لتراني لتذكرني لترجع عن همك لكنك تتجاهلني كأنك لا تراني ويحك أيها القلب إنني السر العجيب في حياة القلوب ويحك إنني السر العجيب في ترك الفجور والهوان إنني أريدك أن تحيا حياة السعداء أريدك أن تكون علما من الأعلام وصالحا من الصالحين أريدك أن تكون مباركا أينما كنت في أعمالك وأقوالك.
تعال أيها القلب تعال واسمع لحياة النبلاء وسير الرجال يوم أن كنت أتربع على العرش في قلوبهم وأصول وأجول في صدورهم..
كانوا جبالًا في الجبال وربما
صاروا على موج البحار بحارا
لمعابد الإفرنج كان أذانهم
قبل الكتائب يفتح الأمصارا
كانوا يروا الأصنام من ذهب
فتهدم ويهزم فوقها الكفارا
لن تنسى أفريقيا ولا صحراؤها
سجداتهم والأرض تقذف نارا
اسمع أيها القلب يوم أن فتح لي أولئك الرجال قلوبهم فأصبحوا سادة في كل شيء نعم في كل شيء ذكر [ الذهبي ] في سير أعلام النبلاء قال: قال [الحسن بن عيسى] مولى [ابن المبارك] اجتمع جماعة فقالوا تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والفصاحة والشعر وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والقوة وترك الكلام في ما لا يعنيه والإنصاف وقلة الخلاف على أصحابه والتجارة وسخاء النفس والتصديق والورع والتقى وكل ذلك عنده وأكثر
إذا سار عبد الله من مرو ليلة
فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأحبار في كل بلدة
فهم أنجم فيها وأنت هلالها
أسمعت أيها القلب بفضل الله ثم بفضلي أنا السر العجيب كان كل ذلك
فهل عرفتني؟
بل تعال واسمع لعلم ثان من هؤلاء النبلاء إنه [ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري] مؤرخ مفسر محدث مقرئ فقيه أصولي من أكابر الأئمة المجتهدين قال [الخطيب البغدادي] فيه كان أحد أئمة العلماء ويحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات وفيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة وأقوال التابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك وكتاب في التفسير أو لم يصنف أحد مثله انتهى كلام الخطيب .