فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 27345

###187### يقوم المفهوم الإسلامي للفن على استحالة التناقض مع الفطرة فإذا كانت الفنون من روح الفطرة وجب ألا تخالف أو تناقض دين الفطرة: دين الإسلام في شيء فإذا خالفت الفنون الدين في أصوله ودعت صراحة أو ضمنًَا إلى رذيلة من أمهات الرذائل التي جاء الدين لمحاربتها وعاقت الإنسان أن يعمل بالفضائل التي جاء الدين لإيجابها على الإنسان حتى يبلغ ما قدر له من الرقي في النفس والروح، إذا خالفت الفنون الدين في شيء من هذا أو في شيء غير هذا فهي بالصورة التي تخالف بها الدين فنون باطلة، فنون جانبت الحق وأخطأت الفطرة التي فطر الله عليها الناس والخلق (محمد أحمد الغمراوي) .

###188### ومفهوم الفن في الإسلام يقوم على أساس أنه عنصر من عناصر الفكر يتكامل مع الأدب والاجتماع والأخلاق والدين والحضارة، وهو في - ابن الأثير ، العز: أسد الغابة له طابعه الأصيل الواضح المباين لمفهوم الفن في الثقافات والحضارات الأخرى، وقوامه الأخلاق وطابعه التوحيد، يتسامى بالغرائز ويرتفع بالنفس الإنسانية إلى الكمال دون أن يبعد عن الواقع - والفن في نظر الإسلام أداة تجميل الحياة ووسيلة الإسعاد الروحي والنفسي بتحرير الإنسان من عالم الأهواء والغرائز وإطلاقه في نظرة حرة إلى الكون والوجود يعرف فيها قدرة الله وعظمته ويزداد بها إيمانًا.

وقد كان الفن اليوناني بطابعه المادي الوثني يجعل الأولوية للتماثيل المجسمة، إعجابًا بالأجساد وعبادة لصور الجمال ومظاهر القوة ولكن الفن الإسلامي مستمدًا من مقوماته الأساسية يجعل البيان والشعر والأدب في مقدمة قائمة الفنون، الكلمة البليغة والفكرة الموحية، وذلك انتقالًا من عالم المادة إلى عالم الفكر، فالتأمل أوسع العوالم، والتفكر في لق الله أعظم معطيات العقل والروح: [نون والقلم وما يسطرون] وبذلك أصبح رائد الفن: البيان الذي يتمثل في أسمى صورة بالقرآن الكريم وبذلك دفع الإسلام الفكر ###189### البشري إلى الأمام انتقالًا من مفهوم الماديات في الفن إلى مفهوم المعنويات، وسلك المعنويات والماديات في إطار جامع متكامل، وبذلك فقد حرر البشرية من مفهوم المادية الخالصة التي تقدس الجسد والشهوات والغرائز والوثنيات وتقيم لها المهرجانات والطقوس. ودفع البشرية إلى الانتقال من تجسيد البطولة في صورة مادية إلى تكريم عمل الإنسان نفسه.

وأبرز سمات الفن في الفكر الغربي لا تجد في مجال الفكر الإسلامي مجالًا لها.

أولًا: المسلم لا يعبد الجسد الجميل عبادة وثنية بحيث تقدم له القرابين وكل ما يتصل بذلك من أساطير الحب والجمال عند الإغريق وهي حافلة بالمباذل لا تجد في أفق المجتمع الإسلامي قبولًا.

ثانيًا: الإسلام لا يقر الصراع بين الآلهة والإنسان أو بين القدر والإنسان، على النحو الذي يقوم عليه الفن الغربي، ولا يؤمن المسلم بأن الإنسان يثبت ذاته بمصارعة القدر والآلهة ولا بأن البطل الصالح يتحطم على يد القدر والآلهة وكل هذه المعاني المأسوية مستمدة من فكرة"الخطيئة"الأصلية.

ثالثًا: المسلم لا يؤمن بتعدد الآلهة ولا تجسيد الإله في ###190### صورة وثن حسي ملموس كالتماثيل العديدة في العقائد الغربية. في ذلك الخلط العجيب بين المسيحية والهلينية.

رابعًا: المسلم لا يؤمن بعبادة الطبيعة أو المحسوسات.

ومن هنا فإن مفهوم الفن في الإسلام محرر من كثير من هذه القيم التي يقوم عليها الفن الغربي والتي تتعارض أساسًا مع الإيمان بالله الواحد.

2-كذلك فإن الإسلام لا يقر تجسيد في صورة مادية، ليس فقط حفاظًا على مفهوم التوحيد من حظر الاتصال بالتماثيل والأصنام التي كانت تمثل عبادات ما قبل الإسلام. ولكنه ارتفاع بالنفس الإنسانية من أن تتمثل في مفهوم مادي، بينما جاء الإسلام محررًا للبشرية من التجزئة بين الماديات والمعنويات.

والفنان المسلم له طابعه المبدع متحررًا من الخضوع للمذاهب الوثنية التي تقول بتقليد الطبيعة أو التفوق عليها ولذلك فهو قد طرق آفاقًا أخرى غير هذه الآفاق، في التعبير عن المعاني فأوجد أنواعًا من الخطوط والدوائر والزخارف والوحدات المتشابكة والمتداخلة.

قد أبدع الفن الإسلامي في مجال رسوم الحيوان ###191### والطير، وتصوير الأحياء، وغزا الفنان المسلم جميع فروع الفن الإسلامي من مخطوطات وأخشاب وعمارة وزجاج ومعادن وعاج وزخرف ومنسوجات كما زينوا كتب العلم والأدب والدين والتاريخ بصور تفسر بعض ما تتضمنه من بحوث وأحداث وقد خلق الفنان المسلم من الحروف العربية ذات الأشكال المتباينة والأوضاع المختلفة طرازًا زخرفيًا يتمثل فيه الجمال والقوة، وأقام فن"الرقش"أو الأرابسك على وحدات متناسقة على نحو غاية في البهجة والرونق الجميل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت