فهرس الكتاب

الصفحة 7756 من 27345

بقلم د. محمد الفقيه

"...وكم بليت الرواية العربية بروايات لا تحمل من القيمة الفنية شيئًا, ولكنها في المقابل تتضمن أفكار التحرر والفساد والانحلال والنظرة المعادية للدين وأهله, ثم يأخذ لوبي النقاد العلماني دوره في نفخ الرواية وصاحبها وتلميعها حتى يصبح حديث المجالس والمنتديات والفضائيات"

تعتبر الرواية أكثر الفنون الأدبية انتشارًا في زماننا ، وكتبها تتصدر دائمًا قائمة الكتب الأكثر مبيعًا, وسحر الرواية يكمن في القص والحكاية التي تضفي متعة للقارئ، وتخرجه من حال السأم والملل والرتابة، وتلهب خياله بأحداث الرواية وشخصياتها فيعيش في عالمها الخاص ويتخلص ولو مؤقتًا من خشونة الواقع المعاش .

فالرواية تبني عوالم خيالية ينتقل إليها القارئ بوجدانه وأحاسيسه و مخيلته، وتصور له حياة متكاملة لا يستطيع أن يلملم أطرافها في حياته القصيرة التي يعيشها جزءًا جزءًا، بل كثيرًا ما يكون هناك تشابه بين القارئ وبين بعض شخصيات الرواية في ظروف حياته وتطلعاته فيتتبع القارئ مسيرة هذه الشخصية بشغف ويرافقه شعور بالسعادة عند تحقيقها لطموحها أو يعي الدرس عند فشلها في اتباع نفس طريقه وطموحه .

ولا تقتصر فائدتها عند هذا الحد، بل تمنح القارئ فوائد متنوعة لا يستطيعها أي فن أدبي آخر لعذوبتها وسيولتها وقدرتها على الولوج في كل باب والمشي على الأشواك والقفز فوق الحواجز .

كذلك تمنح الرواية قارئها ثراءً لغويًا خاصة إذا كان الكاتب يتمتع بقدرة على انتقاء الألفاظ ووضعها في مكانها المناسب .

كما أنها قد تلخص تجربة شخصيته , فالروايات معظمها سير شخصية تقولب في قوالب متنوعة ويضفي عليها الروائي من رؤاه وأفكاره وتجاربه , وتختلف صعودًا وهبوطًا بحسب حياة وتجربة الروائي .

كما أنها قد تنقل تجربة تاريخية فالمؤرخ يطرز أحداثًا وأرقامًا جامدة ويقفز قفزًا ولا ينقل للقارئ التفاعل الاجتماعي والنفسي لتلك الأحداث الواقعة في زمان أو مكان لم يعشه القارئ , فينقل إليه الحدث بتفاعلاته النفسية والاجتماعية , بل ويدخله في الحدث ويجعله يعيش تفصيلاته اليومية والتغيرات التدريجية التي تتشوف نفسه إليها عند قراءة الحدث على أن الرواية التاريخية ليست مصدرًا موثوقًا للتاريخ وقد تحشى بالزيف والمبالغة ، وإيجاد شخصيات وهمية وخلفيات يكمل بها فجوات الحدث التاريخي وإعادة بناء الحدث التاريخي وتأثيثه حتى يستطيع الروائي تقديم حياة متكاملة .

ومما تتميز به الرواية عن التاريخ أنها تؤرخ للحدث اليومي وللشخصيات المهمشة في التاريخ حيث لا يمكن أن يكون لها حضور على مستوى الحوادث الكبرى وفعلها في الحدث جانبي وغير ملحوظ للمؤرخ فيغفلها عند تسجيله للحدث بعكس الروائي الذي يستحضرها ويجد نفسه مضطرًا لها عند بناءه الروائي .

كما أن الرواية قد تنقل لقارئها الحياة الداخلية لفئة أو طبقة لا يستطيع الاتصال بها أو معايشتها, وهناك مقولة لأحد الزعماء الأوروبيين يقول: لقد فهمت أوروبا من روايات بلزاك أكثر مما فهمتها من كتب التاريخ الفرنسي , فهي الفن الوحيد الخالي من القيود الفنية المنفتح على كافة مجالات الحياة , على حد تعبير إبراهيم نصر الله: (ذلك الفن المشرع على الحياة بكافة تجلياتها الإنسانية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا , والقادر على الخروج بجرأة إلى كل ما ينتجه البشر من أنواع إبداعية ليتمثلها كما لا يتمثلها أي فن أدبي) .

فالرواية لها أثرها البعيد سلبًا أو إيجابًا وكثيرًا ما يتسرب أثرها غير المباشر إلى مكنونات عقل القارئ ونفسه ووجدانه فيتبنى ما فيها من رؤى وأفكار ويتمثل ما بها من مشاعر .

والرواية العربية تأثرت بالرواية الغربية , بل سارت على نسقها ولا نريد أن ندخل في خلاف أهل الاختصاص حول:

هل الرواية فن عربي أصيل أم مستورد من الغرب ؟

ولكن الذي لا يختلف عليه أن التقليد للروائيين الغربيين والسير على سننهم في صياغة الرواية واضح في الرواية العربية،وهذه أول رواية عربية"زينب"لمحمد حسين هيكل كان الموضوع الذي تعالجه أقرب ما يكون إلى الموضوعات التي تستهوي الروائيين الرومانسيين في فرنسا ومثلها"الأجنحة المتكسرة"لجبران خليل جبران ( 1 ) .

يلاحظ كذلك اهتمام التيارات العلمانية في البلاد العربية بالرواية حتى لا تكاد تعرف رواية إلا لهم , ولعل السبب كون الروائي ينشر ما يشاء من الأفكار في الرواية ويتخلص من تبعتها , فهي تنسب لأشخاص الرواية لا له لذلك كانت مجالًا خصبًا لنشر أفكارهم المصادمة للدين والمخالفة له مخالفة ً تامة, والتي تحاول بناء مجتمع على أنقاض المجتمع المسلم بعد تحطيم ثوابته وأخلاقه ومسخه مسخا ً كاملا ً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت