فهرس الكتاب

الصفحة 11867 من 27345

إن الواقع المحسوس، والآيات البينات في القرآن الكريم، تدل بشكل قاطع، أنّ كلّ ما نراه من أحياء: نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا، مصيره إلى الموت والفناء. وما من أحياء موجودة أو ستوجد في المستقبل، إلا وستصير يومًا إلى الموت والفناء، وفي النهاية لا يبقى الا الله تعالى، ويفنى الكون، ويفنى الإنسان، وتفنى الحياة، كما يصرح بذلك القرآن الكريم، في قوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [الرحمن] .

ـــــ

إن الناس قد ذهبت بهم الظنون، وجانَبَهم الصواب، عندما بحثوا سبب الموت عمومًا، وسبب موت الإنسان بخاصة. فمن قائل إن سبب الموت هو الطاعون فيما يتصل بانسان مات بعد إصابته بمرض الطاعون، أو أن سبب الموت هو السرطان لأن مريضًا كان مصابا بالسرطان قبل موته . أو أن سبب الموت هو طعنة بسكينة، أو طلقة برصاص، أو قطع الرأس أو توقف القلب، ...

وعدّ بعض الناس هذه الأمور أسبابًا مباشرة للموت، وبناء على هذا يحصل الموت إذا حصلت هذه الأشياء ، ولا يحصل الموت إذا لم تحصل، فيكون حصول الموت في فهمهم هو بحصول هذه الأسباب لا بانتهاء الأجل، مع أن المسلمين يقولون بألسنتهم إن الإنسان يموت بسبب انتهاء أجله. وبالتالي يكون المميت في رأيهم هو هذه الأسباب وليس الله تعالى، حتى وإن ردّدوا بألسنتهم أنّ الله هو المحيي والمميت .

أما حقيقة الأمر في هذا، أن سبب الموت واحد وهو انتهاء الأجل، وأن الله تعالى هو المحيي والمميت، كما دل على ذلك الفهم البين الواضح لآيات القرآن الكريم. وحقيقة الأمر كذلك أن شيئًا ما حتى يصلح أن يكون سببا لا بد أن ينتج المسبَّب حتما ، وأن المسبَّب لا يمكن أن ينتج إلا عن سببه وحده، وهذا بخلاف الحالة، فإنها ظرف خاص بملابسات خاصة يحصل فيها الشيء عادة، ولكن هذا الشيء (وهو الموت هنا) قد يتخلف ولا يحصل. ولنأخذ مثلا للسبب ومثلا للحالة، فالحياة سبب للحركة الذاتية في الحيوان، فإذا وجدت الحياة فيه وجدت الحركة الذاتية فيه، وإذا عدمت الحياة فيه عدمت الحركة الذاتية فيه. وهذا بخلاف المطر بالنسبة لإنباتِ الزرع، فإنه حالة من الحالات التي ينبت بها الزرع، وليس سببا لإنبات الزرع. فالمطر ينبت الزرع عادة ولكن قد ينزل المطر ولا ينبت الرزع، وقد ينبت الزرع من رطوبة الارض، كالزرع الصيفي الذي ينبت بدون نزول المطر. وشبيه المطر مرض الطاعون، وضرب الرصاص، وغير ذلك، فهذه قد توجد ولا يحصل الموت، وقد يحصل الموت من غير أن يوجد أي شيء من هذه الأشياء التي يحصل فيها الموت عادة. لذلك فمرض الطاعون، والسرطان، والغرق، وضرب الرصاص، مثلا هي حالات يحصل فيها الموت عادة، ولكنها ليست سببا للموت .

والمتتبع لكثير من الأشياء التي يحصل فيها الموت، والمتتبع للموت نفسه يتأكد من ذلك واقعيًا، فيجد أنه قد تحصل هذه الأشياء التي يحصل منها الموت عادة ولا يحصل الموت، وقد يحصل الموت بدون حصول هذه الأشياء، فمثلا قد يُضرَب شخص سكينا ضربة قاتلة، ويجمع الأطباء على أنها قاتلة، ثم لا يموت فيها المضروب بل يشفى ويعافى منها. وقد يحصل الموت دون سبب ظاهر، كأن يقف قلب إنسان فجأة فيموت في الحال دون أن يتبين لجميع الأطباء بعد الفحص الدقيق نوع الحالة التي يحصل فيها وقوف القلب، والحوادث على ذلك كثيرة يعرفها الأطباء وقد شهدت فيها المستشفيات في العالم آلاف الحوادث. ومن أجل ذلك يقول الأطباء إن فلانًا المريض ميؤوس منه حسب تعاليم الطب، ولكن قد يعافى، وهذا فوق علمنا، ويقولون إن فلانًا لا خطر عليه وهو معافى، وقد تجاوز دور الخطر، ثم ينتكس فجأة فيموت. وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذه الأشياء التي حصل منها الموت ليست أسبابًا له، إذ لو كانت أسبابًا له لما تخلف، ولما حصل بغيرها، فمجرد تخلفها ولو مرة واحدة، ومجرد حصول الموت بدونها ولو مرة واحدة، يدل قطعا على أنها ليست أسبابا للموت، بل هي حالات يحصل فيها الموت. أما السبب الحقيقي للموت الذي ينتج المسبَّب، أي ينتج الموت، هو أمر غيرها، وليست هي .

ربّ قائل يقول: نعم، إن هذه الأشياء التي تحصل، ويحصل فيها الموت عادة، هي حالات وليست أسبابا، لأنها قد تتخلف عن إحداث الموت، أي قد تحصل أحيانا ولا يحصل منها الموت، ولكن هنالك أسبابٌ مشاهدة محسوسة يحصل منها الموت قطعا ولا يتخلف فتكون هي سبب الموت . فمثلا قطع الرقبة وإزالة الرأس عنها يحصل منه الموت قطعًا ولا يتخلف، ووقف القلب يحصل منه الموت قطعًا ولا يتخلف. فهذه وأمثالها من أعضاء جسم الأنسان مما يحصل منه الموت قطعًا هو سبب الموت. ويقولون: نعم إن ضربة الرقبة بالسيف حالة من حالات الموت وليست سببًا للموت، وإن طعنة القلب بالسكين حالة من حالات الموت وليست سببًا للموت، وهكذا، ولكن قطع الرقبة ووقف القلب سبب للموت. فلمَ لا نقول: إن هذا سبب الموت؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت