ما هو من الأقوال ، والأعمال ، والاعتقادات كفر
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته والتابعين.
وبعد..
قبل الشروع في المقصود أود التنبيه على الآتي:
أولًا: إن الإكفار 1 ملك لله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يكفر أحدًا إلا من أكفره الله ورسوله.
ثانيًا: مسألة الإكفار والتفسيق والتبديع من المسائل الخطرة التي زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، وانحرفت بسببها أقوام، لهذا لا ينبغي أن يخوض فيها إلا الراسخون في العلم، ولا يتعاطاها كل أحد من طلاب العلم، دعك عن العوام.
ثالثًا: هناك فرق بين الإكفار العام وإكفار المعين، أي بين أن تقول: هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، أومن قال كذا فقد كفر، وبين أن تقول: فلان من الناس كافر، إذ تكفير المعين له شروط وموانع.
رابعًا: لا يكفر المعين إلا بتوفر شرطين هما:
1.البلوغ.
2.العقل.
وبانتفاء موانع هي:
1.الجهل.
2.الخطأ.
3.التأويل أو الشبهة.
4.الإكراه.
فإذا تعاطى الشخص سببًا من أسباب الكفر القولية أو العملية أو الاعتقادية، بفعل أوترك، جادًا كان أم هازلًا أم شاكًا، فأقيمت عليه الحجة، وبصِّر إن كان جاهلًا، وأزيلت عنه الشبهة، ثم أصر على ذلك، فقد كفر إن كان بالغًا، عاقلًا، طائعًا، مختارًا، غير مكره.
والتأويل منه ما هو فاسد وهذا لا عبرة به، ومنه ما هو راجح أومرجوح، وهذا لا يكفر أحد تعاطاه.
ولا تقبل دعوى الجهل لمسلم يعيش بين ظهراني المسلمين، ولكن لحديث عهد بالإسلام.
خامسًا: يحكم في ذلك الفقهاء والقضاة الموثوق بدينهم وعلمهم الشرعي وعدالتهم، وينفذ الحكم ولاة الأمر وليس العامة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الحدود لا يقيمها إلا الإمام ونائبه) . 2
سادسًا: الإكفار منه ما هو بدعي، وهو الذي يكون بسبب اقتراف بعض الذنوب غير المكفِّرة، نحو تعاطي الخمر، والتعامل بالربا، وممارسة الزنا لمن يقر بحرمتها، أما من استحلها ولو لم يتعاطاها فقد كفر، أوبسبب الابتداع، والتعصب، والحسد، ونحو ذلك؛ ومنه ما هو شرعي، كالذبح لغير الله، والسجود لصنم، وإلقاء المصحف في دورة مياه مثلًا، ونحو ذلك.
سابعًا: من المسائل التي يجب على المسلم تعلمها نواقض الإسلام، وهي الأمور التي تبطل الإسلام وتفسده وتخرج المسلم من حظيرة الإيمان إلى دائرة الكفر والعياذ بالله.
ثامنًا: النطق بالشهادتين والدخول في الإسلام ليس عاصمًا ولا مانعًا من الكفر بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي كافرًا ويصبح مسلمًا". 3
فقد يكون المرء مصليًا صائمًا وهو متعاطي لسبب من أسباب الكفر المحبطة لأعماله الصالحة وهو لا يشعر، عقديًا كان هذا السبب، أو عمليًا، أو قوليًا:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
ولا تغتر أخي المسلم بما يقوله أهل الأهواء المرجئة:"لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة"، حيث اختزلوا كلمة التوحيد التي بها قامت السموات والأرض في التصديق بالقلب أوالنطق باللسان ولو لم يصاحب ذلك عمل بالأركان وكف عن المحرمات والآثام، أو بقول مشايخهم من الجهمية الطغام الذين قصروا الإيمان على المعرفة القلبية، ففي شرعهم فإن إبليس وفرعون مؤمنان كاملا الإيمان لمعرفتهم برب الأرباب، حيث حكى الله عن إبليس لعنه الله:"قال رب فأنظرني إلى يوم يُبعثون"4، وقال:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين"5، وقال عن فرعون وملئه أبعدهم الله من رحمته:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا". 6
بعد هذه التنبيهات والتوطئات التي لابد منها ندلف إلى ما عزمنا عليه، فنقول وبالله التوفيق:
بم يكون الكفر عند أهل السنة والجماعة؟
الكفر عند أهل السنة والجماعة، نقاوة المسلمين، الفرقة الناجية المنصورة، يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وبالفعل والترك، وبالجد والهزل والشك، فقد يكفر المسلم بالعمل كما يكفر بالاعتقاد، وقد يكفر بالفعل كما يكفر بالترك، وقد يكفر وهو هازل مازح كما يكفر وهو جاد حازم، وقد يكفر وهو متيقن أوشاك:"قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"7، وأن الكفر العملي ليس قاصرًا على سب الله ورسوله ودينه.
فكما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فكذلك الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، فقد يكفر المسلم بقول أوعمل وإن كان يعتقد بقلبه خلاف ما نطق به لسانه أوكسبته يداه، إلا المكره، فقد استثناه الله - عز وجل:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"8.