تفسير سورة المرسلات
الجمعة 6 شعبان 1397 / 22 تموز 1977
( 2 من 4 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:
فقد سبق أن تلونا عليكم قبل جمعتين سورة المرسلات ونحن في طريقنا من أجل التعرف على خطوات البناء التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشغلنا عن متابعة الحديث عنها ما كان لا بد أن يشغلنا مما يتصل بهذه الدعوة العظيمة من قريب أو بعيد ، وها نحن اليوم نعيد النظر في السورة الكريمة بغاية ما يمكن من الإيجاز ، آملين أن تكون عقول الإخوة وقلوبهم معنا ونحن نستعرض كلام الله جل وعلا ، وقبل أي شيء فإن من الضروري أن نعرف ابتداءً أن طول الحديث عن اليوم الآخر ومتعلقاته ، أي ما يتصل به ويتفرع عليه ربما جعل بعض القارئين للقرآن أو السامعين لكلام الله يشعرون أن في الحديث زيادة عما ينبغي أن يكون ، ولعل الملل أن يتطرق إلى بعض النفوس وهي تقرأ أو تتابع هذه الحلقات المتصلة من حديث يدور حول قطب واحد وهو موضوع اليوم الآخر وما يتصل به وما يتفرع عنه ، ولكي نزيل هذه الفكرة إن خطرت لا سمح الله فمن الواجب أن نذكر أن كلام الله كله حق لا باطل معه ، وحكمة لا عبث معها ، وأن ما أنزل الله من قول على نبيه عليه الصلاة والسلام فكل حرف منه لازم لأنه جاء ليؤدي الغرض منه في المكان والزمان الملائمين .
وإنكم حينما تتبعون قضية من قضايا القرآن ولتكن مثلًا قضية اليوم الآخر على وجه الخصوص ، فلن يفوتكم إن قرأتم القرآن بإمعان أن كل حديث عن اليوم الآخر يضيف شيئًا جديدًا إلى المفهومات السابقة من السور والآيات التي نزلت من قبل ، وسؤال لا بد أن يطرح هنا وأن يجاب عليه: ولماذا كل هذا ؟ فأقول ليس يخفى على أحد أن موضوع اليوم الآخر ومسألة المصير إلى الله وقضية السؤال بين يديه وموضوع الثواب والعقاب شغلت من كتاب الله في مرحلتيه المكية والمدنية حيزًا كبيرًا ، وإذا ذهبنا نقارن بين موضوعين رئيسيين إن جاز الفصل بينهما كموضوع الألوهية وهو مسألة المسائل وموضوع اليوم الآخر وهو موضوع يتفرع عن موضوع الألوهية فسوف نجد أن الحديث عن اليوم الآخر أخذ من القرآن أضعاف ما أخذت قضية الألوهية ، هل المسألة هنا تتعلق بالأهمية وعدمها أو بدرجة الأهمية ؟ كلا قطعًا ، فما يشك عاقل أن أهم شيء في الإسلام هو الإيمان بالله تعالى ، لأنه المدخل الذي يلج منه الإنسان إلى رحاب هذا الدين العظيم وبغيره فمهما يفعل الإنسان من خيرات ومهما يقدم من معروف فإن ذلك ليس بنافعه في قليل ولا كثير ، لكن المسألة كما يجب يُعلم أن مشكلة الألوهية لا تحتل من أذهان الناس عادة ذلك المكان الخطير على الحس وعلى العقل الذي تحتله قضية اليوم الآخر .
فلا شك أن هذا الإسلام وُجّه إلى الناس كافة ، وبصورة أساسية ومباشرة وُجّه إلى العرب الوثنيين ، لكنك حينما تستشير القرآن بالذات هل المعضلة بالنسبة لموضوع الألوهية كهي بالنسبة لقضية اليوم الآخر ؟ تجد أن الله جل وعلا يقول: ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) فالعرب الذين كانوا يعبدون الأوثان لا يدّعون أن هذه الأوثان خلقت شيئًا من مخلوقات الله جل وعلا ، وإنما هي وسائط وشفعاء كما يدعون ويزعمون . ولهذا نجد الله جل وعلا يقول في وصف هؤلاء الصنف من المشركين ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فمسألة الألوهية في الحقيقة يشبه أن تكون مسألة مستقرة في قاع البديهة الإنسانية ، مهما كابر الإنسان وجادل ، ومهما حاول أن يبتعد عن الإقرار بها ، فهو مسوق بهذا النازع الفطري إلى أن يقر بها على نحو من الأنحاء . صحيح أن الإسلام له وجهته الخاصة في تقرير الألوهية منزهة عن الوسائط والشفعاء والشركاء والأنداد والأمثال ، لكن صحيحًا أيضًا أن العرب المشركين يقرون بالألوهية من حيث المبدأ ، لكن معضلته الكبرى ومعضلة الإنسانية عمومًا هي: كيف يمكن أن يعود الإنسان بعد الموت خلقًا جديدًا وكيف يمكن أن تتسع الأكوان لما لا يحصى من ملايين الناس الذي أكلهم الدهر وماتوا ؟ وكيف يمكن أن يحشروا ؟ وكيف يمكن لملك الموت أن يميت في اليوم وفي الساعة وفي اللحظة كذا وكذا عددًا من ألوف ومئات الألوف من الناس ؟ وكيف يمكن أن يوقف الناس جميعًا وأن يجري لهم الحساب ؟ إلى آخر هذه السلسلة التي تشكل فعلًا معضلة أمام العقل البشري ، بل أمام الحس البشري .
ونحن نعلم أن مقررات العقل وقناعات العقل لا بد لها أن تستند إلى شيء من وقائع الحس ومن العالم المشهود ، وإلا كانت مثالًا وتجريدًا لا صلة له بالواقع ، وبالتالي فهو عاجز عن أن يتفاعل مع الكينونة الإنسانية بكل ما فيها من قوى وطاقات .