د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة 11/9/1425
أتساءل بشغف عن إمكانية عقد مؤتمر يُقام على أُسس أكاديمية معتمدة ينتهي بطبيعة الحال بتوصيات، وحبذا لو عُقد تحت مظلة رابطة العالم الإسلامي، مؤتمر يخصص لمناقشة أسباب تهافت - معظم- القنوات العربية ، التلفزيونية منها والإذاعية ، وبقطاعيها العام والخاص، على بث برامج خلال شهر رمضان المبارك أبعد ما تكون مضامينها عن طبيعة شهر القرآن والصيام والقيام ، فالأسلوب المتّبع في مثل هذه البرامج -من الغرابة بمكان- بحيث يستدعي منا دعم هذا التوجه. أليس مستغربًا إقبال تلك القنوات الإعلامية للبدء وبحماس منقطع النظير، وقبل انتهاء أيام عيد الفطر المبارك من كل عام لإعداد وتنفيذ برامج تُعرض بعد عام من تاريخه، وبالتحديد في شهر رمضان التالي لوقتها!!
أليس مستغربًا من الناحية العقليّة على الأقل خلوّ- معظم- تلك الخطط من برامج تهدف -صراحة لا تأويلا-ً تبيان فضل هذا الشهر وعظمته، وتحضّنا على فعل الخيرات، طاعة لله سبحانه، وطمعًا في رضاه ومحبته.
أليس مستغربًا عدم تطرقها -إلا على استحياء- لواقع العدوان الصهيوني على الحياة الفلسطينية بمعناها الواسع، أو تصويرها المعاناة اليومية للصائم الفلسطيني تحت نير ووحشية شارون وزبانيته، معاناة تتنامى في خضم انشغال العالم في كل ما لا يمتّ بمصالحه بصلة، وأين هي من حال الإنسان العراقي الغني بخيرات أرضه، الفقير بأطماع سجانيه؟!
إن اهتمامها في هذا الشهر بالذات انصبّ في حقيقته على غير هذا وذاك، فالهدف الذي تنطلق منه وإليه لا يخرج عن دائرة الترفيه سواء كان ترفيهًا نافعًا أو مشوبًا بالفساد، أما النافع فقد طُعّم -على الأغلب- بما يفسده، وأما الضارّ المضرّ فمن السّفه السكوت عنه، فكيف بمتابعته متابعة المأموم للإمام في الصلاة!!
إن الغرابة لا تكمن في رعاية هذه القنوات لتلك البرامج بشكل عام، بل لاهتمامها وحرصها على تواجدها وبهذا الزخم وفي هذا الشهر المبارك، ولعملها وبشكل دؤوب على تحويله من شهر عبادة إلى شهر خمول و تفسّخ ..قنوات نجحت بشكل أو بآخر في نفي حقيقة الصيام من أذهان أهله، وليكون منحصرًا بالإمساك عن الطعام والشراب، دون الجوارح ..!!
ثم ما دور بعض وزارات الإعلام في وطننا العربي والإسلامي التي ما فتئت تسعى سعيًا حثيثًا وراء معدّي هذه البرامج، مقدمة لهم كل غال و نفيس لعلها تحظى برضا أصحابها، فتنال عرضًا حصريًا لما تظن أنه أكثر البرامج استقطابًا، متناسية أن الظنّ لا يغني من الحق شيئًا، وأنها بفعلها هذا أضرّت لا بِدِين مُتَتبّعيها- فقط- بل بعقولهم وأولويّاتهم. ثم كيف جاز لها أن تستقطب المعلنين دون رقيب أو حسيب؟! معلنة بفعلها إيمانها المطلق بأن الغاية تبرّر الوسيلة .. فلا بأس كيف بدأ الإعلان .. وكيف انتهى ، وكيف ظهر، فالمهم لا يكمن في هذا كله بل بالثمن الذي دُفع للإفساح له وظهوره!!
إن من حقوقنا على تلك الوزارات، قادة و شعوبًا، أن تحدّد أولوياتها بوضوح تام، لا تشوبه ريبة، ووضوح يظهر من خلال قنواتها الإعلامية، فتعلن أن الربحيّة ليست أولى أولويّاتها، ما دام الطريق إليها يضرّ بالصالح العام، ولتقف في هذا الشهر وفي غيره، بجدّ وحزم أمام قضايا هامة مهدّدة تتعلق بخصائصنا الذاتية، الدينية منها والوطنية، قضايا بحاجة ماسّة لرعايتها والذّوْد عنها .. وأخيرًا لتترك شهر القرآن لمن هو أهل له