ومنشأ الفتن كلَّها من فتنة الشيطان الذي حذرنا الله عز وجل منه بقوله: (( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ) ) [الأعراف:27] .
ولذا فلن أفرد فتنة الشيطان بحديث مستقل، لأنَّ الحديث عن أنواع الفتن المختلفة إنَّما هو في الحقيقة حديث عن فتنة الشيطان- أعاذنا الله منه ومن شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن-.
وسأحاول إن شاء الله- تعالى- أنَّ أربط الموضوع بواقعنا المعاصر؛ وذلك بذكر بعض الصور والمظاهر لكل نوع من أنواع الفتن في زماننا اليوم، أمَّا ما يتعلق بسبل الفرار منها، وأسباب النجاة منها، فسأفرد المبحث الأخير- إن شاء الله تعالى- للحديث عن هذه الأسباب بشكل مفصل.
ولا بدَُّ في هذا المبحث الذي يتضمن ذكر بعض أنواع الفتن، وذكر شيءٍ من صورها، أن يتخلله ذكرُ شيءٍ من أسبابِ النجاة منها، خاصة عند ذكر النقولات التي يصعب فيها الفصل بين المظهر والعلاج.
ومن أنواع الفتن التي سيتناولها هذا المبحث ما يلي:
1-فتنة الغربة.
2-الفتنة في العقيدة.
3-فتنة المعاصي وترك إنكارها.
4-فتنة الدنيا وزخرفها.
5-فتنة الاختلاف والفرقة بين المسلمين.
6-الفتنة بالعلم.
7-فتنة المصائب والمكاره.
8-فتنة المسيح الدجال.
9-فتنة الممات.
أولًا: فتنة الغربة
إنَّ البدء بالحديث عن هذه الفتنة يأتي من كونها نتيجةً تراكم مجموعةً من الفتن، تنشأ الغربة بسببها، ويحسنُ بنا في بداية الكلام عن هذه الفتنة أن نتطرقَ لحديثِ الغربة والغرباء، الذي ثبت عن النبي من عدة طرق، ثم نعرجُ على كلام السلف في شرحهم لهذا الحديث، ونختم الموضوع بذكر بعض مظاهر الفتنة في عصور الغربة وخاصة في زماننا اليوم.
روايات حديث الغربة:
(1) عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال:"النزاع من القبائل ) ) [1] .
(2) عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - (( إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ غريبًا؛ فطوبى للغرباء"قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال:"الذين يصلحون إذا فسد الناس ) ) [2] .
(3) عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنَّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها ) ) [3] .
4 عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ونحن عنده: (( طوبى للغرباء"فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال:"أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) ) [4] .
من خلال هذا السرد للروايات الصحيحة لحديث الغربة يتضح لنا وصف حال أهل الغربة، وأنهم نزاع من القبائل، وهذا يشير إلى قلتهم، وأنَّهم يصلحون إذا فسد الناس، وأنَّهم أناس صالحون في أناس سوءٍ كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
وتدلنا هذه الأوصاف المذكورة للغرباء أنَّهم أهل غيرةٍ ودعوة وإصلاح، ولم يكونوا صالحين يائسين مستسلمين لواقعهم الفاسد، كما تدلنا هذه الروايات على بقاء المصلحين مهما اشتدت الغربة، ولو كانوا قلة ونزاعًا من القبائل، ولن تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحق حتى يأتي أمر الله عز وجل.
ولذلك-والله أعلم- صدر الإمام الهروي-رحمه الله تعالى- منزلة الغربة بقوله تعالى: (( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ) ) [هود:116] .
وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى- في شرحهِ لمنازل السائرين عند هذه الآية: (استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدلُ على رسوخهِ في العلم والمعرفة وفهم القرآن، فإنَّ الغرباءَ في العالم هُم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية، وهُم الذين أشار إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله،(وساق حديث الغرباء السابق براوياته المختلفة) ثم قال: وقال نافع بن مالك: دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسًا إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبكي، فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ هلك أخوك؟ قال: لا، ولكن حديثًا حدثنهِ حبيبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال: (( إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنةٍ عمياء مظلمة ) ) [5] .