نتائج الانتخابات البريطانية: فشل جديد للديمقراطية، ولكن ...
هيثم بن جواد الحداد
ليل انتخابي هادئ في لندن، عاصمة حرية الكلمة، ومركز ثقل الناخبين البريطانيين ... الساعة تقترب من العاشرة ليلًا، لكن الوقت - على خلاف عادة المدينة في أيام العمل - ليس متأخرًا جدًا لنوعين من الناس، أولهما الناخبون البريطانيون، فمراكز الاقتراع تغلق أبوابها الساعة العاشرة ليلًا، والنوع الثاني من الناس: هم المسلمون الذين انهوا للتو صلاة المغرب، ويستعدون لصلاة العشاء، فنهار الصيف الطويل في بلاد الضباب تغيب معه الشمس بعد قبيل الساعة التاسعة مساء.
ليس من العادة أن يطرق عليك أحد الباب في هذه الساعة المتأخرة -عرفًا-، لكنها ساعة الحسم للقوم، وإذا بأحد مؤيدي حزب العمال يطرق الباب سائلًا: هل انتخب صاحب هذا البيت؟ فأجبته بأنّ صاحب هذا البيت واسمه محمد لا يرغب في انتخاب حزب العمال، وكنت قد خرجت لاستقبال الطارق مرتديا"ثوبا - بحسب لهجة أهل الخليج، وقميص طويل بلهجة أهل المغرب، وهو الأصح لغة-"، المهم أجابني الطارق وقد أوحى له اسم صاحب المنزل مقرونًا بهذا اللباس العربي معرفة سبب عدم رغبة صاحب البيت في التصويت لحزب العمال، هذا إن صوّت أصلا لأحد الأحزاب ..فأجاب ببداهة المتابع للأجواء الانتخابية: من أجل العراق؟ فقلت: نعم، من أجل موضوع العراق، قال: أوافقك على ذلك، الأمر محزن، وأنا كنت سأترك الحزب لأجل ذلك، وتظاهرت ضد الحرب على العراق، ثم تابع قائلًا وبالمناسبة فإن عضو البرلمان الجديد الخاص بالمنطقة هو من حزب العمال، إلا أنه من المعارضين للحرب على العراق ...لقد كان الموقف من الحرب على العراق إحدى أهم"خيول الرهان"التي يسابق عليها المرشحون، أو خصومهم، وساهمت أو نجحت المظاهرات التي شارك فيها مئات الآلاف في وضع هذه القضية على سلم أولويات الشعب البريطاني بعد أن لم تكن مثل هذه الحرب قضية أصلا للشعب الذي يهتم بالشأن الداخلي من زيادة الضرائب، وتردي الخدمات الصحية، وانخفاض أجور التقاعد ونحوها.
بعد أداء صلاة فجر الجمعة، والتي تقام الساعة الرابعة صباحًا وهو وقت مبكر جدًا، أحد المصلين قال لي: رأيت النتائج؟ فتبسمت سائلًا: ومتى يمكن أن تكون قد أفرزت، وظهرت، وقد انتهت للتو، الساعة العاشرة مساءًا؟ ثم كيف نراها والوقت مبكر جدًا؟ قال: لقد استيقظت الساعة الثالثة فجرًا، وفتحت التلفاز وإذا بحزب العمال يحتفل بنصره، حيث حقق أكثر من ثلث المقاعد بقليل، فبادرته: وماذا فعل حزب المحافظين؟ قال حقق أقل من الثلث بقليل ...
ومع صباح يوم الجمعة ، 6 مايو، أيار ، 2005 تتناول الصحف النتائح الرسمية للانتخابات، فقد حصل حزب العمال"الحاكم"بقيادة توني بلير رئيس الوزراء الحالي على 36 في المائة من مقاعد البرلمان، بينما جاء في المرتبة الثانية حزب المحافظين بقيادة هاورد اليهودي الأصل 33 في المائة من الأصوات، وحصل المحافظين الأحرار، ثم تتبارى الصحف في تحليل هذه النتائج، لكن يكاد يكون أهمّ ما يمكن أن يطلع عليه ضعيف المتابعة للشأن الانتخابي تعليقات الشعب البريطاني على نتائج الانتخابات، ولو أعملنا قاعدة"متى ينسب القول إلى الجمهور"المقررة عندنا في أصول الفقه، لوجدنا أن"جمهور الشعب البريطاني"مستاء جدًا من نتيجة الانتخابات، ولم أجد أبلغ من هذه العبارة في وصف ما جرى، إذ علقت إحدى النساء بقولها""
ليس لدينا خيرات متعددة، كل واحد من الأحزاب الثالثة على درجة من السوء مثل الآخر، وحينما يكون لدينا خيار جديد، وصندوق جديد اسمه"لا خيار مما تقدم"يمكن أن نعبر فيه عن عدم رضانا، فربما حصلنا على ناخبين أكثر.
ثم تتابع التعليقات التي غلب عليها طابع الامتعاض من هذه النتائج -وهذا أمر غير مستغرب- فالكل يعاني من ارتفاع الضرائب، وكثرة الجرائم، وتدهور الخدمات الصحية، والتي يعتقد الجميع أنها نتاج لسياسات حكومة العمال ...