فهرس الكتاب

الصفحة 3011 من 27345

ابتعاث الأسطورة مؤامرة جديدة تواجه الفكر الإسلامي

الأستاذ أنور الجندي

هناك حصيلة ضخمة من الأساطير والخرافات تتمثل في قصص وملاحم. وتتخذ من المعتقدات الوثنية موضوعًا لها، وهي تفسر أحداث الحياة وظواهر الطبيعة على ضوء هذه المعتقدات وتنسبها إلى تدخل الآلهة وأنصاف الآلهة في شئون البشر ولقد كان لليونان أساطيرهم وكان للعرب في الجاهلية أساطيرهم والغالب أن الإغريق والعرب في الجاهلية اشتقوا معتقداتهم الأسطورية من الفرعونية الوثنية القديمة.

هذا التراث من الأساطير والخرافات، المتصل بطوالع النجوم وأفلاك البروج، وأسرار الأرقام ومجموع التعاويذ الخاصة بطرد الأرواح الشريرة، كان بمثابة تجارة للكهنة القدامى في الحضارات المصرية والآشورية والبابلية القديمة ولقد كان اليهود هم حملة لواء هذه الأساطير والخرافات بالإضافة إلى فن السحر الذي يخصصوا فيه.

هذه الحصيلة يجرى تجديدها في العصر الحديث على نحو من الاهتمام الواسع، والتركيز الشديد على أفق الفكر الإسلامي بعد أن جاء الإسلام فحطم هذا التراث كله، وقضى عليه وذلك حين قدم صحاح الأخبار والصور والعقائد فيما يتعلق بمختلف شئون الغيب، وأجاب عن كل الأسئلة التي جاءت بها هذه الأساطير والخرافات بمثابة محاولات بشرية ضالة مضلة إزاء هذه الأمور.

عالم الغيب:

لقد أعطى الإسلام منهجًا كاملًا للميتا فيزيقا أو ما يسمونه عالم الغيب، فكشف عن حقائق عالم الجن والملائكة ورسالات الأنبياء والوحي، وخلق السموات والأرض والرياح والبحار والكواكب والأقمار، وأوضح علاقة الإنسان بها، ودعا الإنسان إلى أن يعبد خالق هذه الكواكب، وأن لا يسجد للشمس ولا للقمر. وأن يعرف أنه تبارك وتعالى هو رب (الشعري) اليمانية التي كان يعبدها العرب في الجاهلية. كذلك فقد دعا الإنسان إلى عبادة الله الواحد الخالق، وحرره من عبادة الأصنام والأوثان والصور، وعلمه أن هذه كلها لا تملك له نفعًا ولا ضرًا، كما كشف الله تبارك وتعالى سنن الخلق وتصريف الرياح، وإنشاء السحب وسوقها إلى حيث يأمرها بأن تمطر فيصيب بهذا الغيث من يشاء ويصرفه عمن يشاء.

لكل دار دواء إلا الموت:

وبذلك قضى على الأساطير العديدة التي كانت تتحدث عن الشياطين التي تسوق الرياح، كذلك دعا إلى التداوي من الأمراض، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تبارك وتعالى خلق لكل داء إلا السام (أي الموت) .

وبذلك قضى على ما كان يقوم به كهنة بابل من بعض الطقوس لشفاء المرضى أو طرد الأرواح الشريرة أو ما كانوا يصفونه لالتهاب العين من انتزاع أحشاء ضفدع صفراء.

كذلك دعا الإسلام إلى دحض ما يسمى طوالع النجوم وأفلاك البروج وتأثيرها على خطوط البشر وأسرار الأرقام، فإن هذه كلها لا تملك لنفسها شيئًا ولا تستطيع أن تقدم للإنسان أي دليل على غيب، فالغيب كله لله تبارك وتعالى.

المنهج التجريبي:

وكانت دعوة الإسلام إلى البشرية أن تنظر إلى خلق السموات والأرض، وإلى كيف بدأ الله الخلق، والتأمل في هذا الكون الذي هدى المسلمين إلى بناء المنهج العلمي التجريبي الذي نشأت عليه الحضارة الحديثة. والذي إدعاه القس روجر بيكون وفرانسيس بيكون ومن ذهب مذهبهم.

وبذلك تحرر العقل البشري من الأساطير والوثنيات والخرافات القديمة، وانسحق هذا الركام كله تحت أقدام الحقائق، وتحت أضواء نور العلم الحقيقي.

غير أننا نرى الآن أن هناك محاولة مستميتة لإحياء هذا الركان، وإعادة إذاعة هذه الخرافات التي سادت في العصور القديمة من جديد بعد أن حطمها الإسلام، وأقام مفهومًا أصيلًا لكل ما يتصل بعالم الغيب ولما يتصل بخلق الكون والسموات والأرض.

عودة إلى الأساطير:

هذا الركام الوثني والبشري تجرى إعادة صياغته في أساليب براقة وكتب فاخرة، وتحمله إلى الناس صحف ومجلات راقية الطباعة، ويحمل لواء الدعوة إليه كتاب لهم شهرة ذائعة، حيث يجد إعجابًا وإقبالًا وافتنانًا من الشباب المسلم، الذي لم تتشكل له خلفية أساسية من مفهوم الإسلام، تحميه من تقبل هذه السموم. ولا ريب أن بعض البلاد الإسلامية قد خضعت لهذه الأفكار الزائفة، عندما ضعف مفهومها الإسلامي في مرحلة التخلف، ولكنهم وقد عادوا اليوم ينفضون عنهم غبارها، عليهم أن يتحرروا منها، وأن الصورة التي سجلها مثل أدوار لين في كتابه (المصريون المحدثون) لا تمثل إلا مرحلة الضعف التي سيطرت فيها مفاهيم باطلة، حيث تسربت الخرافات والأساطير مرة أخرى إلى المجتمعات تحت أسماء التمائم والتطير، وتقمص الأرواح، قد كتب لين ذلك في نفس الوقت الذي كان الإمام محمد بن عبد الوهاب يجاهد في الجزيرة العربية ونجد لتطهير الإسلام من هذه الخرافات.

بين الفك والتنجيم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت