أ.د/ محمد بن أحمد الصالح أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وعضو المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1/3/1423
بسم الله الرحمن الرحيم
من مفاخر الإسلام أن تعاليمه مبنية على الرحمة والرأفة، وتشريعاته تقوم على المواساة، وجبر الخاطر، وتفريج الكرب، وإيناس الوحشة، وعزاء المصاب وتهوين الفاجعة، ومصداق ذلك قول الله - تبارك وتعالى - في صفة نبيه - عليه الصلاة والسلام -: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، [الأنبياء: 107] .
ولذلك قيل - بحق وصدق - إن الإسلام دين الرحمة والشفقة والرأفة، ومن الأمثلة الواضحة على تحقيق هذه المعاني في تشريعات الإسلام، وضع نظام لحل المشكلات الزوجية، وعدم الإقدام على الطلاق، ولذلك فقد شرع الإرشادات والتوجيهات التي تكفل استقرار الحياة الزوجية، وعدم إيقاع الطلاق إلا في حالة الضرورة، ومن هذه الإرشادات والتوجيهات ما يلي:
أولًا: تنفير المسلمين من الطلاق، حيث اعتبره الشارع أبغض الحلال إلى الله، فقال عليه الصلاة والسلام:"أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (1) .
ثانيًا: حث الأزواج على الصبر وتحمل ما يبدو من المرأة من قصور أو اعوجاج مادامت لا تمس الشرف والدين، فقال - تعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) ، [النساء: 19] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا سره منها آخر) . النووي على مسلم، ج3، (ص: 657) .
ثالثًا: رسم القرآن الكريم المنهج القويم لعلاج ما قد يطرأ بين الزوجين من خلاف، أو ينشأ من مشكلات في قوله - تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) فإذا زال الخلاف واستقامت الأحوال بهذه الأساليب صار الطلاق - حينئذٍ - ممنوعًا. حيث جاء في ختام الآية الكريمة ما يفيد منع الطلاق عند استقامة الأحوال، قال - تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا) ، [النساء: 34] . وقال - صلى الله عليه وسلم - (إن في طلاق أم أيوب حوبًا - أي إثمًا-) وجاء رجل إلى الخليفة الراشد عمر - رضي الله عنه - يريد طلاق امرأة، وعلل ذلك بأنه لا يحبها، فقال الخليفة الراشد:"ويحك هل كل البيوت تبني على الحب؟ أين التجمل والوفاء أين المروءة والحياء؟ إن الإنسان ينبغي أن يكون في هذا تقيًا".
رابعًا: تولَّت الشريعة علاج ما قد ينشأ بين الزوجين من خصومة ونزاع، بطريقة تسهم فيها أسرة المرأة وأسرة الرجل، حيث قال الله - تعالى -: (فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفِّق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا) ، [النساء: 35] .
خامسًا: رتب للمطلقة حقوقًا مالية كبيرة وكثيرة لدى الزوج، حتى تجعله يتريث ويفكر مليًا قبل إقدامه على إيقاع الطلاق، وهذه الحقوق هي:
(1) على الزوج أن يوفيها مؤخر الصداق.
(2) يلزمه نفقتها من مأكل وملبس ومسكن ودواء ما دامت في العدة.
(3) إلزام الرجل بدفع أجرة الرضاع. قال - تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) ، [الطلاق:6] .
(4) أجرة الحضانة حتى بلوغ الأطفال سن السابعة.
(5) وأيضًا فإن من الحقوق التي يرتبها الطلاق للمرأة على الرجل: المتعة.
تعريف المتعة شرعًا:
المتعة في الشرع هي"اسم لمال يدفعه الرجل لمطلقته التي فارقها، بسبب إيحاشه إياها بفرقة لا يد لها فيها غالبًا" (2) .
ونستخلص من هذا التعريف ما يأتي:
أولًا: أن المتعة مال يدفعه الرجل لمطلقته، ويشمل النقدين"الذهب والفضة"والأوراق النقدية، وكل ما يتقوم بمال سواء كان عقارًا أو منقولًا أو منفعة، كسكنى دار، أو خدمة آدمي، أو نحو ذلك.
ثانيًا: أن سبب المتعة هو ما يصيب المرأة من وحشة بسبب طلاق الزوج لها، فتكون المتعة جبرًا لخاطرها ورأبًا للصدع الذي ألمّ بنفسها،"وتضميدًا"للجرح الذي أصابها، ومسحًا لدمعها ولرأسها وتخفيفًا لما لحقها من الآلام حين تركها زوجها بعد رغبته فيها واختياره لها، وهذه المواساة هي حكمة مشروعية المتعة.
أدلة مشروعية المتعة:
(أ) من القرآن الكريم:
1.قال تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:236] .
2.قال تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:241] .
3.قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب:49] .